الأربعاء 5 ذو القعدة 1447 | 2026-04-22

A a

«كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يومَ الفِطْرِ لا يخرجُ حتَّى يَطْعَمَ، ويومَ النَّحرِ لا يَطْعَمُ حتَّى يَرْجِعَ».


رواه أحمد برقم: (22983) واللفظ له، والترمذي برقم: (542)، وابن ماجه برقم: (1756)، من حديث بريدة بن الحصيب -رضي الله عنه-.
زاد أحمد في رواية له برقم: (22984): «فيأكلُ من أضحيته».
صحيح الجامع برقم: (4845)، التعليقات الحسان برقم: (2801).


مختصر شرح الحديث


كانَ النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يَحرِصُ على إظهارِ شَعائرِ الإسلامِ في أيامِ العيد، ويُبيِّنُ لأصحابِه ما شَرعَهُ اللهُ فيها مِن الآدابِ والأحكام، ومِن ذلك: ما يتعلَّقُ بالأكلِ قبلَ صلاةِ العيدِ وبعدَها. وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ بُرَيدةُ بنُ الحُصيبِ -رضي الله عنه- أنَّ مِن هديِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يومَ عيدِ الفِطرِ أنَّه كان لا يَخرُجُ إلى صلاةِ العيدِ حتَّى يَطعَمَ؛ إظهارًا للفِطرِ ومخالفةً ليومِ الصِّيام؛ لئلَّا يُظَنَّ بقاءُ حُكمِ الصِّيام، فدَفَعَ ذلك بالأكل، وكانَ مِن هديِه أنْ يأكُلَ تمراتٍ وِترًا.
وأمَّا يومُ الأضحى فكان هَديُه -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- أنَّه لا يأكُلُ حتَّى يرجِعَ مِن الصلاة؛ ليكونَ أوَّلَ ما يأكُل مِن أُضحيتِه؛ إظهارًا لشَعيرةِ النَّحرِ، وشكرًا لله على ما شَرَعَ مِن الأضاحي. وهذا في حقِّ مَن له أُضحية، أمَّا مَن لا أُضحيةَ له فلا يُستحبُّ له الإمساكُ عن الأكلِ قبلَ الصلاة.
وفي الحديث: إشارةٌ إلى دفع الالتباس في العبادات، وتمييزها؛ لئلَّا تَخْتَلِطَ أحكامُها.


شرح الحديث


قوله: «كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يومَ الفطرِ»:
قال الباجي -رحمه الله-:
هذا الاسم (يعني: يوم الفطر) يختص بأول يوم من شوال، وإن كان الأضحى أيضًا يوم فطر لا يحل فيه الصوم إلا أن هذا الاسم مختص به في الشرع. المنتقى شرح الموطأ (1/ 318).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«يوم الفطر» أي: يوم عيده. فيض القدير (5/ 183).

قوله: «لا يخرجُ حتى يَطعَم»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«لا يخرج» من منزله. التنوير (8/ 494).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«كان لا يخرج» لصلاة العيد. فيض القدير (5/ 183).
وقال الشيخ محمد الهرري -رحمه الله-:
«لا يخرج» إلى مصلى العيد. مرشد ذوي الحجا (10/ 309).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «حتى يطعم» أي: يأكل؛ مبادرة إلى الفطر المطلوب في ذلك اليوم. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 534).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «حتى يطعم» أي: يأكل طعامًا، وهذه مجملة من حيث النوع، ومن حيث العدد، هو جنس الطعام، لكن ما نوع الطعام الذي يأكله، أيأكل خبزًا، أو شعيرًا، أو ماذا يأكل؟ بيَّنَته الرواية السابقة، وهي «تمرات». فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 393-394).
وقال الباجي -رحمه الله-:
يستحب أن يكون فطره على تمر إن وجده؛ لما روي عن أنس «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وترًا». المنتقى شرح الموطأ (1/ 318).
وقال ابن الهمام -رحمه الله-:
يستحب كون ذلك المطعوم حلوًا؛ لما في البخاري: «كان -صلى الله عليه وسلم- لا يغدو في يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وترًا». فتح القدير (2/ 71).

قوله: «ويومَ النحرِ لا يَطْعَمُ حتى يرجع»:
قال المظهري -رحمه الله-:
أي: لا يأكل يوم الأضحى قبل الصلاة موافقة للفقراء؛ لأن الظاهر أن لا يكون للفقراء شيء إلا ما أعطاهم الناس من لحوم الأضاحي، وهذا يكون بعد الصلاة.
وقيل: إنما لا يأكل قبل الصلاة يوم الأضحى؛ ليكون أول ما يأكل لحم أضحيته. المفاتيح (2/ 343-344).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وقيل: ليكون أول ما يطعم من أضحيته، فيكون أكله مبنيًّا على امتثال الأمر، سواء قيل: بوجوبه أو سنيته. مرقاة المفاتيح (3/ 1070).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال الزين بن المنير: وقع أَكله -صلى الله عليه وسلم- في كلٍّ من العيدين في الوقت المشروع لإخراج صدقتهما الخاصة بهما، فإخراج صدقة الفطر قبل الغدو إلى المصلى، وإخراج صدقة الأضحية بعد ذبحها، فاجتمعا من جهة، وافترقا من جهة أخرى.
واختار بعضهم تفصيلًا آخر، فقال: من كان له ذبح استُحب له أن يبدأ بالأكل يوم النحر منه، ومن لم يكن له ذبح تخيَّر. فتح الباري (2/ 448).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
إنما فرَّق بينهما لأن السُّنة أن يتصدق في عيد الفطر قبل الصلاة، فاستحب له الأكل؛ ليشارك المساكين في ذلك، والصدقة في يوم النحر إنما هي بعد الصلاة من الأضحية، فاستحب موافقتهم، وليتميز اليومان عما قبلهما، إذ ما قبل يوم الفطر يحرم فيه الأكل، بخلاف ما قبل يوم النحر. إرشاد الساري (2/ 207).
وقال العيني -رحمه الله-:
الناس في هذا اليوم أضياف الله، فيُستحب أنْ يكون أول تناولهم من لحوم الأضاحي التي هي ضيافة الله، فاستُحب تأخير الأكل إلى ما بعد الصلاة، وهذا في حق المصري، أما القروي فإنَّه يذوق من حين أصبح، ولا يمسك كما في عيد الفطر؛ لأنَّ الأضاحي تُذبح في القرى من الإصباح، بخلاف المصر، حيث لا يذبح فيه إلا بعد الفراغ من الصلاة. البناية شرح الهداية (3/ 121).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
إنما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعجل الفطر يوم الفطر؛ لأنه أبرز مظاهره، وأعجل في امتثال طاعة الله تعالى في ذلك.
وإنما كان يؤخر الأكل يوم الأضحى؛ لأن أبرز مظاهر هذا اليوم هو نحر الأضاحي وذبحها والأكل منها، ففيه إظهار أمارات الشكر لله تعالى. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (2/ 216).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فيه أيضًا فائدة: وهي أن الإنسان إذا قيل له: إن الأفضل ألا تأكل يوم الأضحى إلا من أضحيتك أول شيء، بادر إلى ذبحها؛ لأن النفوس مجْبُولة على محبة الأكل، وتناول ما تشتهيه، فيكون في ذلك مصلحة، وهي المبادرة بذبح الأضحية، ولا شك أن المبادرة بالذبح أفضل، حتى كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يذبح أضحيته في المصلى. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 395).

قوله: «فيأكلُ من أضحيته»:
قال الطحطاوي الحنفي -رحمه الله-:
قوله: «فيأكل من أضحيته» وفي لفظ البيهقي: «فيأكل من كبد أضحيته». حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: 349).
وقال التتائي المالكي -رحمه الله-:
وهل ذلك لأنَّ الكبد أيسر من غيره أي: أسرع نضجًا من غيره، أو تفاؤلًا لما جاء أنَّ أول ما يأكل أهل الجنة عند دخولها كبد الثور الذي عليه الأرض، فتذهب عنهم مرارة الموت؟ تنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة (ص: 390).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وأما اختيار أن يكون الأكل من الكبد: فإنما اختاره الفقهاء لأنها أخف وأسرع نضجًا، وليس من باب التعبد بذلك. مجموع الفتاوى(16/234)
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
الأكل عند الغدو إلى المصلى سُنة مستحبة عند العلماء؛ تأسيًا بالنبي -عليه السلام-، وروي عن علي وابن عباس أنهما قالا: من السُّنة ألا تخرج يوم الفطر حتى تَطْعَم، وهو قول عامة العلماء، وكان بعض التابعين يأمرهم بالأكل في الطريق، وروي عن ابن مسعود أنه قال: إن شاء أكل، وإن شاء لم يأكل، وعن النخعي مثله، وقد روي عن ابن عمر الرخصة في ترك الأكل، وذكر ابن أبي شيبة عن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يخرج يوم العيد إلى المصلى ولا يَطْعَمُ شيئًا. شرح صحيح البخاري (2/ 551-552).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
والشُّرب كالأكل، فإن لم يفعل ذلك قبل خروجه استُحب له فعله في طريقه، أو في المُصلى إن أمكنه، ويُكره له تركه. إرشاد الساري (2/ 207).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
المفضل أن يأكل في بيته قبل أن يغدو إلى صلاة العيد، وبعض الناس يجلس بعد صلاة الصبح في مُصلاه حتى ترتفع الشمس؛ ليحصل الأجر الثابت في طول العام، ثم يغدو إلى المصلى فليأكل في المسجد قبل أن يغدو إلى المصلى، وإذا كانت صلاة العيد تُصلى في المسجد الذي يجلس فيه كالحرم مثلًا، إذا أَكل في المسجد قبل أن يتجهز لصلاة العيد...، هو مطالب بوظائف وعبادات يصلي الفجر، ثم يجلس في مجلسه، ثم إذا ارتفعت الشمس انتهت الوظيفة الأولى، يبدأ بالوظيفة الثانية، ثم بين الوظيفتين يأكل التمر وإذا أكل التمر بعد طول الفجر وقبل غدوه إلى المسجد الذي يصلي فيه الفجر ويجلس فيه حتى يصلي العيد يصح أنه طبَّق السُّنة. شرح المحرر في الحديث (48/ 14).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وقد عُلِّلَ الأكل يوم الفطر قبل الخروج بالمبادرة إلى الفطر في يوم العيد؛ ليُظْهِر مخالفته لرمضان حيث كان تحريم الأكل في نهاره، وقد تقدم، عن أبي الدرداء: تعليله بمخالفة أهل الكتاب.
وقد عُلِّلَ بأن السُّنة تأخير الصلاة يوم الفطر، فيكون الأكل قبل الخروج أَسْكَن للنفس، بخلاف صلاة النحر، فإن السنَّة تعجيلها.
وقد روى الإمام أحمد: ثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج: أخبرني عطاء، أنه سمع ابن عباس يقول: إن استطعتم أن لا يغدو أحدكم يوم الفطر حتى يطعم فليفعل، قال: فلم أَدَعْ أن آكُل قبل أن أغدو مُنْذُ سمعت ذلك من ابن عباس، قلت: فعلى ماذا تأول هذا؟ قال: أظن سمعه من النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: كانوا لا يخرجون حتى يمتد الضحى، فيقولون: نَطْعَم حتى لا نعجل عن صلاتنا.
وذكر بعضهم معنى آخر، وهو أن يوم الفطر قبل الصلاة تُشرع الصدقة على المساكين بما يأكلونه خصوصًا التمر، فشُرع له أن يأكل معهم ويشاركهم، وفي النحر لا تكون الصدقة على المساكين إلا بعد الرجوع من الصلاة، فيؤخر الأكل إلى حال الصدقة عليهم؛ ليشاركهم أيضًا. فتح الباري (8/ 443).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: إنما كان يأكل يوم الفطر قبل الغدو إلى المصلى -والله أعلم- لئلا يظن ظان أن الصيام يلزم يوم الفطر إلى أن تصلى صلاة العيد، فخشي الذريعة إلى الزيادة في حدود الله، فاستبرأ ذلك بالأكل، والدليل على ذلك: أنه لم يكن يأمر بالأكل قبل الغدو إلى المصلى في الأضحى. شرح صحيح البخاري (2/ 552).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقال غيره (يعني: غير المهلب): لما وقع وجوب الفطر عقب وجوب الصوم استُحب تعجيل الفطر؛ مبادرة إلى امتثال أمر الله تعالى، ويُشعر بذلك اقتصاره على القليل من ذلك، ولو كان لغير الامتثال لأكل قدر الشِّبع، وأشار إلى ذلك ابن أبي جمرة.
وقال بعض المالكية: لما كان المعتكف لا يتم اعتكافه حتى يغدو إلى المصلى قبل انصرافه إلى بيته خشي أن يعتمد في هذا الجزء من النهار باعتبار استصحاب الصائم ما يعتمد من استصحاب الاعتكاف، ففرَّق بينهما بمشروعية الأكل قبل الغدو.
وقيل: لأن الشيطان الذي يحبس في رمضان لا يُطلق إلا بعد صلاة العيد، فاستُحب تعجيل الفطر؛ بدارًا إلى السلامة من وسوسته. فتح الباري (2/ 447).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
إنما أسرع -عليه الصلاة والسلام- بإفطار يوم الفطر إظهارًا للمخالفة بين هذا اليوم واليوم الذي قبله؛ لتكون مخالفة الفعل مُشعرة لمخالفة الحكم بخلاف الأضحى. شرح المصابيح (2/ 252).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قال الأشرف (البقاعي في شرح المصابيح مخطوط): لعله -عليه الصلاة والسلام- أسرع بالإفطار يوم الفطر ليخالف ما قبله، فإن الإفطار في سَلْخِ (يعني: أثناء) رمضان حرام، وفي العيد واجب، ولم يفطر في الأضحى قبل الصلاة لعدم وجود المعنى المذكور. مرقاة المفاتيح (3/ 1066).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
أما التبكير بالأكل فللمبادرة إلى امتثال أمر الله تعالى في الإفطار، كما امتثل أمره في الصوم. كشف المشكل (3/ 279).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الحديث: دليل على شرعية الأكل يوم الفطر قبل الصلاة، وتأخيره يوم الأضحى إلى ما بعد الصلاة، والحكمة فيه: هو أنه لما كان إظهار كرامة الله تعالى للعباد بشرعية نحر الأضاحي كان الأهم الابتداء بأكلها؛ شكرًا لله على ما أَنعم به من شرعية النَّسكية الجامعة لخير الدُّنيا وثواب الآخرة. سبل السلام (1/ 428).
قال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
وقيَّده كثيرٌ من الفقهاء بما إذا كان له أضحية، فإنَّه لا يأكل حتى يُضحِّي؛ فإن لم يكن لديه أُضحية، لم يُشرع له الإِمساك عن الأكل قبل الصلاة. والله تعالى أعلم.منحة العلام(4/١١٧).


إبلاغ عن خطأ