«كان رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- يذبحُ ويَنْحَرُ بالمُصلَّى».
رواه البخاري برقم: (5552)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
.
شرح الحديث
قوله: «كانَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يذبحُ وينحرُ بالمُصلَّى»
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «كان يذبح بالمصلَّى» أي: بمصلَّى العيد، وزاد أبو داود في روايته: «وكان ابن عمر يفعله»؛ لأنه كان شديد الاتِّباع. مرشد ذوي الحجا والحاجة(18/ 412).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«يذبحُ وينحرُ» يذبح يعني: البقرة والشاة، وينحر يعني: الإبل، والواو بمعنى (أو) ويحتمل الجمع. الأزهار مخطوط لوح(185).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «يذبح وينحر بالمصلَّى» الذبح للبقر والغنم، والنحر للإبل؛ وإنما فعل رسول الله -عليه السلام- الذبح والنحر بالمصلَّى في كلٍّ لإظهار شِعار الأضحية؛ ليراه الناس؛ ويقتدون به، ويجوز الذبح في كُل موضع في الدُور وأجواف البيوت وغير ذلك. المفاتيح (2/ 342).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يذبح» أي: البقرة والشاة «وينحر» أي: الإبل «بالمصلَّى» أي: الجبَّانة بعد أن يصلي العيد؛ ليرغِّب الناس فيه؛ وليقتدوا به؛ وليتعلموا منه صفة الذبح. مرعاة المفاتيح (5/ 43 - 44).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قوله: «كان ينحر ويذبح بالمصلى» إنما هذا سُنة الإمام خاصَّة، أن يذبح أضحيته أو ينحر بالمصلى، وعلى ذلك جرى العمل في أمصار المسلمين، و«كان ابن عمر يذبح بالمصلى»، ولم ير ذلك مالك لغير الإمام، وقال المهلب: وإنما يذبح الإمام بالمصلى ليراه الناس فيذبحون على يقين بعد ذبحه، ويشاهدون صفة ذبحه؛ لأنه مما يحتاج فيه إلى العِيان؛ وليتأخَّر الذبح بعد الصلاة كما قال في الخطبة: «أول ما نبدأ به أن نصلي ثم ننصرف فننحر»، قال مالك: إنما يذبح الإمام في المصلَّى لئلا يذبح أحد قبله. شرح صحيح البخاري (6/ 17).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
يختار للإمام أن يضحِّي لكافَّة المسلمين وعنهم من بيت مالِهم بدنةً يذبحها في المصلَّى بعد فراغه من صلاته؛ لقول الله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} الكوثر: 2، وأقلُّ ما ينحره شاةً؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نحر بعد صلاته شاةً عن أُمَّته، ويتولّى نحرها بنفسه؛ اقتداءً برسول الله -صلى الله عليه وسلم- والأئمة الراشدين، ويخلِّي بين الناس وبينها، فإنْ ضحَّى من مالِه ذبح حيث شاء، ففرَّق على ما أراد، فأما غيرُ الإمام فيختار أن يضحي في منزله بمشهد أهله؛ ليفرحوا بالذبح، ويستمتعوا باللحم. الحاوي الكبير (15/ 125).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قوله: «كان ينحر أو يذبح بالمصلَّى»... وخرَّج أبو داود من رواية أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «كان يذبح أضحيته بالمصلى، وكان ابن عمر يفعله»... وخرَّج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث المطلب عن جابر قال: شهدتُ مع النبي -صلى الله عليه وسلم- الأضحى بالمصلى، فلما قضى خطبته نزل من منبره، فأُتي بكبش فذبحه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيده، وقال: «بسم الله، وبالله، والله أكبر، هذا عنِّي وعمَّن لم يضحِّ مِن أُمَّتي»... وخرَّج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل، عن علي بن حسين، عن أبي رافع، أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- «كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب أُتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه، فذبحه بنفسه بالمُديَة»...
وقد يعارِض هذه الأحاديث حديثُ البراء بن عازب، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي، ثم نرجع فننحر»، وخرَّج النسائي من رواية عبد الله بن سليمان: حدثني نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «نحر يوم الأضحى بالمدينة، قال: وكان إذا لم ينحر ذبح بالمصلَّى» فهذه الرواية يُجمع بها بين سائر الروايات، وأنه كان إذا نحر ما ينحر نحره بالمدينة، فإن ذبح الغنم ذبحها بالمصلى، وعلى هذا فتكون رواية البخاري الصحيحة لحديث ابن عمر: «كان يذبح أو ينحر بالمصلى» بالشك، وذَبْحُ ابن عمر بالمصلى يدلُّ على أنه كان يرى استحباب ذلك للإمام وغيره، ومن العلماء من يستحب ذلك للإمام، منهم مالك، وقال: لا نرى ذلك على غيره، وفيه إشارة إلى أن غيره لا يتأكَّد في حقه ذلك كالإمام، وقال سفيان: للإمام أن يُحضِر أضحيته عند المصلَّى؛ ليذبح حين يفرغ من الصلاة والخطبة؛ لئلا يذبح أحد قبله، قال: وذلك من الأمر المعروف. فتح الباري (9/ 58 - 61).
وقال النووي -رحمه الله-:
الأفضل أنْ يضحي في داره بمشهد أهله، هكذا قاله أصحابنا. المجموع (8/ 425).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: تصريح بالذبح والنحر بالمصلى، وقوله: «ثم نرجع فننحر» معارِض يُوهِم الرجوع إلى البيت، والظاهر: أنَّ المراد به الرجوع عن الخطبة إلى المذبح والمنحر، كما في قول الله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} البقرة: 196، يعني: من الأعمال والنسك إلى الفراغ، والأصح أنَّ المراد: بذلك الرجوع إلى الوطن، فعلى هذا يمكن أنْ يُقال: القول بيان لجوازه، والفعل لفضله وكماله وأفضليته، وقيل: المراد بالفعل الضحية للأمَّة من بيت المال، وبالقول له ولأهله من ماله، قال الفقهاء: والأفضل أنْ يُضحي في بيته بمشهد أهله، وبالمصلى للمسلمين من بيت المال. الأزهار مخطوط لوح (185).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال ابن التين: هو مذهب مالك أنَّ الإمام يُبرِزُ أضحيته للمصلى، فيذبح هناك، وبالغ بعض أصحابه وهو أبو مصعب (الزهري) فقال: مَن لم يفعل ذلك لم يؤتم به، وقال ابن العربي: قال أبو حنيفة ومالك: لا يذبح حتى يذبح الإمام إن كان ممَّن يذبح، قال: ولم أر له دليلًا. فتح الباري (10/ 9).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
قوله: «كان يذبح وينحر بالمصلى» أخذ بظاهره مالك، وقد هُجِرَ الآن ذلك. منحة الباري (8/ 626).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
قوله: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يذبح وينحر بالمصلى» وهذا يبين إظهار السُّنة، فإذا وجد مكانًا حول المصلَّى تُنحر فيه الأضحية فحسن، وإلا في بيته. الحلل الإبريزية (4/ 133).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه: استحباب أنْ يكون الذبح والنحر بالمصلى، وهو الجبَّانة، والحكمة في ذلك: أن يكون بمرأى من الفقراء، فيصيبون من لحم الأضحية. نيل الأوطار (5/ 144).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
فيه: دليل على أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يضحي بالإبل والبقر؛ لأن النحر لا يجوز في الغنم، وإنما هو في الإبل وعلى تكرُّهٍ في البقر، فيكون ذلك قرينة واضحة على أن قول أنس: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يضحي بكبشين» ليس للدوام، ويؤيد ذلك ما وقع في بعض الروايات قول أنس بلفظ: «ضحى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»، وعلى هذا فليس فيه دليل على كون الضأن أفضل في الأضحية. مرعاة المفاتيح (5/ 84).