الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«سألتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أيُّ الجهادِ أفضل؟ قال: أنْ تُجاهدَ نفسك وهوَاك في ذاتِ اللهِ -عزَّ وجلَّ-».


رواه أبو نعيم في حلية الأولياء: (2/ 249) من حديث أبي ذر -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (1099)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1496).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


الهوى بالقصر: ‌ميل النفس إلى ما تستلِذُّه الشهوات من غير داعية الشرع. الكليات، لأبي البقاء الكفوي (ص:962).


شرح الحديث


قوله: «سألتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: أي الجهاد أفضل؟»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«‌أيُّ ‌الجهاد ‌أفضل؟»‌ مبتدأ وخبر، أيُّ: أنواع الجهاد أفضل ثوابًا عند الله تعالى...، والمعنى: أنَّ هذا من أفضل الجهاد، لا أنَّه أفضله مطلقًا. ذخيرة العقبى (32/ 338).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«‌أيُّ ‌الجهاد ‌أفضل؟» أي: أكثر ثوابًا. دليل الفالحين (2/ 484).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«‌أيُّ ‌الجهاد ‌أفضل؟» أي: أكثر أجرًا. مرشد ذوي الحجا والحاجة (16/ 262).

قوله: «أنْ تُجاهِد نفسك وهواك»:
قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-:
جهاد العدو الباطن، وهو جهاد النفس والهوى، فإنَّ جهادهما من أعظم الجهاد، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «المجاهد مَن جاهد نفسه في الله». جامع العلوم والحكم (ص: 458).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
يريدون بالنفس: الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان، فيقولون: لا بد من مجاهدة النفس، وكسرها. إحياء علوم الدين (3/ 4).
وقال ابن بطَّال -رحمه الله-:
قد يكون جهاد النفس منعها الشهوات المباحة توفيرًا لها في الآخرة؛ لئلا تدخل في معنى قوله: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} الأحقاف:20، وعلى هذا جرى سلف الأمة. شرح صحيح البخاري (10/ 211).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
اعلم أنَّه إنما كان ‌جهاد ‌النفس أكبر من جهاد الأعداء؛ لأنَّ النفس محبوبة، وما تدعو إليه محبوب؛ لأنها لا تدعو إلا إلى ما تشتهي وموافقة المحبوب في المكروه محبوبة، فكيف إذا دعا إلى محبوب؟ فإذ عكست الحال، وخولف المحبوب فيما يدعو إليه من المحبوب اشتد الجهاد، وصعب الأمر، بخلاف جهاد الكفار، فإن الطباع تحمل على خصومة الأعداء. ذم الهوى (ص:40).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
سمعت شيخنا (ابن تيمية) يقول: جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين، فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولًا، حتى يخرج إليهم. روضة المحبين (ص:640).
وقال ابن القيم -رحمه الله- أيضًا:
فالجهاد ‌أربع مراتب: ‌جهاد ‌النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين.
فجهاد النفس ‌أربع مراتب أيضًا:
أحدها: أنْ يجاهدها على تعلم الهُدى ودين الحق الذي لا فلاح لها، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها عِلْمُهُ شَقِيت في الدارين.
الثانية: أنْ يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمُجرَّد العلم بلا عمل إن لم يَضُرَّها لم ينفعها.
الثالثة: أنْ يجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمه لمن لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه، ولا يُنجيه من عذاب الله.
الرابعة: أنْ يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله، وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله.
وإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين، فإنَّ السلف مجمعون على أنَّ العَالِم لا يستحق أنْ يُسمَّى ربَّانيًّا حتى يعرف الحق، ويعمل به ويُعَلِّمُه، فمَن عَلِم وعَمِل وعَلَّم، فذاك يُدعى عظيمًا في ملكوت السماء. زاد المعاد (3/ 11-12).
وقال الصنعاني -رحمه الله- مُعلِّقًا:
والرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أخبر هنا أنَّ أفضل الجهاد على الإطلاق جهاد النفس، والمراد: جهادها على هذه الأربع المراتب، فهذا أعلى مراتب الجهاد؛ لأنه أصل المراتب كلها، فإنه لا يحصل له واحدة من تلك الرتب إلا بجهاده لنفسه على تحصيلها، فالتفصيل مطلق حقيقي. التنوير (2/ 550).
وقال المناوي -رحمه الله-:
‌جهاد ‌النفس أربع مراتب: الأولى والثانية: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) بأنْ يجاهدها على أنْ تأتمر وتنتهي في ذاتها، ثم يجاهدها على أنْ تصدع الظلمة بالأمر والنهي، بحيث لا يخاف في ذلك لومة لائم، والثالثة: (الصبر في مواطن الصبر) بأنْ يجاهدها على تحمل مشاق الدعوة إلى الله تعالى وتحمل أذى الخلق، والرابعة: (شَنآن الفاسق) أي: إظهار معاداته لله تعالى لأجل فسقه. التيسير (1/ 491).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «وهواه» (لفظ الجامع) هو كل ما تهواه النفس، وتميل إليه من مشتهياتها، فيجاهدها بمخالفة ما تدعوه إليه، فإنها لا تدعوه إلا إلى ما لا ينفعه عند مولاه، قال يحيى بن معاذ الرازي: جاهد نفسك بأسباب الرياضة على أربعة أوجه: القليل من الطعام، والغمض من المنام، والحاجة من الكلام، وتحمل الأذى من جميع الأنام، فيتولد من قِلِّ الطعام موت الشهوات، ومن قِلِّ المنام صفو المرادات، ومن قِلَّةِ الكلام السلامة من الآفات، ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات. التنوير (2/ 550).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
الهوى: ميل الطبع إلى ما يلائمه، وهذا الميل خلق في الإنسان لضرورة بقائه، فإنه لولا ميله إلى المطعم والمشرب والمنكح؛ ما أكل ولا شرب ولا نكح، فالهوى مستحب له لما يريده، كما أنَّ الغضب دافع عنه ما يؤذيه، فلا ينبغي ذم الهوى مطلقًا، ولا مدحه مطلقًا، كما أنَّ الغضب لا يُذَمُّ مطلقًا، ولا يحمد مطلقًا، وإنما يذم المفرط من النوعين، وهو ما زاد على جلب المصالح، ودفع المضار. روضة المحبين (ص:629).
وقال ابن القيم -رحمه الله- أيضًا:
إنَّ الهوى رِقٌّ في القلب، وغِلٌّ في العنق، وقيد في الرجل، ومتابعه أسير لكل سيء الملكة، فمن خالفه عتُق من رِقِّهِ، وصار حرًّا، وخلع الغل من عنقه، والقيد من رجله، وصار بمنزلة رجل سلّم لرجل بعد أنْ كان رجلًا فيه شركاء متشاكسون. روضة المحبين (ص: 484).

قوله: «في ذَاتِ اللهِ -عز وجل-»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
أي: ‌في ‌ذات ‌الله وجهته، لا يشوبه الرياء والهوى. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3197).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
أي: خالصًا لوجه الله، بحيث لا حظ له في ذلك. الكوثر الجاري (6/ 255).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«‌في ‌ذات ‌الله» أي: لأجل الله، وقيل: أي: في أمر الله. شرح المصابيح (6/ 152).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
أي: في وجه الله، وطلب ثوابه. الكواكب الدراري (13/ 46).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
فكل مَن أتعب نفسه ‌في ‌ذات ‌الله -عز وجل-، فقد جاهد في سبيله، إلا أنَّ الجهاد في سبيل الله إذا أطلق لم يقع عُرْفًا إلا على مجاهدة الكفار بالسيف. رياض الأفهام (5/ 535).


إبلاغ عن خطأ