«لا تحِلُّ الصدقة لغني إلا لخمسة: لِغَازٍ في سبيل الله، أو لعَامِل عليها، أو لغَارِمٍ، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدَّق على المسكين فأهداها المسكين للغني».
رواه أحمد برقم: (11538)، وأبو داود برقم: (1637) واللفظ له، وابن ماجه برقم: (1841)، من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
ولفظ أحمد برقم: (11538): «فأهدى منها لغني».
صحيح الجامع برقم: (7250)، إرواء الغليل برقم: (870).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«لِغَازٍ»:
غازٍ: الجمع: غزاة وغُزىً مثل: قضاة وركع، وجمع الغزاة: غَزِّيٌّ على فعيل مثل: الحجيج. المصباح المنير، للفيومي (2/ 447).
«لِعَامِلٍ عليها»:
أي: على الصدقة من نحو عَاشِر (الذي يأخذ العشور) وحَاسِب وكاتب. مرقاة المفاتيح، للقاري (4/ 1306).
«لَغَارِمٍ»:
الغُرْم: الدَّين، ورجل غارم: عليه دين. لسان العرب، لابن منظور (12/ 436).
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
والغارم: مَن استدان ليصلح بين طائفتين في ديةٍ أو دينٍ تسكينًا للفتنة وإنْ كان غنيًّا. مرقاة المفاتيح (4/ 1306).
وقال العيني -رحمه الله-:
الغارم: من لزمه دين ولا يملك نصابًا فاضلًا عن دينه. البناية شرح الهداية (3/ 453).
شرح الحديث
قوله: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«لا تحل» يعني: تحرم. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 139).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «لا تحل الصدقة لغني» أي: لا تحل له أن يتملَّكها، وليس المراد: لا يحل له أنْ يأخذها؛ إذ الكلام الآتي ليس في الأخذ فقط، بل في التملك مطلقًا. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 564-565).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
قال: «لا تحل الصدقة لغني»؛ لقوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} التوبة: 60. شرح الزرقاني على الموطأ (2/ 183).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قوله: «لا تحل الصدقة» يريد صدقة الأموال الواجبة فيها لا تحل لغني، ولم يرد الصدقة الْمُبتذلة من غير وجوب، فإن تلك بمنزلة الهدية تحل للغني والفقير. المنتقى شرح الموطأ (2/ 151).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة» يعني: لا تحل الزكاة لغني إلا أن يكون الغني واحدًا من هذه الخمسة المذكورة؛ فإنها تحل له حينئذٍ. المفاتيح (2/ 511).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«إلا لخمسة» فتحل لهم وهم أغنياء؛ لأنهم أخذوها بوصف آخر. شرح الزرقاني على الموطأ (2/ 183).
وقال ابن رشد -رحمه الله-:
اختلفوا في الغني الذي تجوز له الصدقة من الذي لا تجوز، وما مقدار الغنى المحرم للصدقة؟ فأما الغني الذي لا تجوز له الصدقة فإن الجمهور على أنه لا تجوز الصدقة للأغنياء بأجمعهم إلا للخمس الذين نص عليهم النبي -عليه الصلاة والسلام- في قوله: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل له جار مسكين فتُصَدق على المسكين فأهدى المسكين للغني».
وروي عن ابن القاسم أنه لا يجوز أخذ الصدقة لغني أصلًا مجاهدًا كان أو عاملًا، والذين أجازوها للعامل، وإن كان غنيًّا أجازوها للقضاة، ومن في معناهم ممن المنفعة بهم عامة للمسلمين، ومن لم يجز ذلك فقياس ذلك عنده هو أن لا تجوز لغني أصلًا. بداية المجتهد (2/ 37-38).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
واختلفوا أيضًا كم الغنى الذي لا يجوز لصاحبه أخذ الصدقة، وتحرم عليه المسألة؟
فقال بعضهم: هو بوجود المرء قوت يومه لغدائه وعشائه، وهذا قول بعض المتصوفة الذين زعموا أنه ليس لأحد ادِّخار شيء لغَدٍ، وقولهم مردود بما ثبت عن النبي وأصحابه أنهم كانوا يدخرون.
وقال آخرون: لا تجوز المسألة إلا عند الضرورة، وأحلوا ذلك محل الميتة للمضطر.
وقال آخرون: لا تحل المسألة بكل حال، واحتجوا بما روي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال لأبي ذرٍّ: «لا تسأل الناس شيئًا»، وجعلوا ذلك نهيًا عامًّا عن كل مسألة، وبما رواه ابن أبي ذئب عن محمد بن قيس، عن عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية، عن ثوبان مولى رسول الله أنه قال -صلى الله عليه وسلم-: «من تكفل لي بواحدة تكفلت له بالجنة، قال ثوبان: أنا، قال: لا تسأل الناس شيئًا، فكان سوطه يقع فما يقول لأحد: ناولنيه، فينزل فيأخذه».
وقال قيس بن عاصم لبنيه: إياكم والمسألة فإنها آخر كسب المرء، فإن أحدًا لن يسأل إلا ترك كسبه.
وقالت طائفة: لا يأخذ الصدقة من له أربعون درهمًا؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا»، وممن قال بذلك: أبو عبيد (القاسم بن سلام)، روي عن مالك أنه قال: يعطى من له أربعون درهمًا إذا كان له عيال.
وقالت طائفة: لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهمًا، هذا قول النخعي والثوري، وأحمد وإسحاق، واحتجوا بحديث يروى عن ابن مسعود عن النبي بذلك، وعلله يحيى بن سعيد وشعبة فقالا: يرويه حكيم بن جبير، وهو ضعيف.
وقالت طائفة: من ملك مائتي درهم تحرم عليه الصدقة المفروضة، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، ورواه المغيرة المخزومي عن مالك، وقال المغيرة: لا بأس أن يعطى أقلَّ مما تجب فيه الزكاة، ولا يعطى ما تجب فيه الزكاة، واحتج أصحاب أبي حنيفة بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم»؛ فجعل المأخوذ منه الزكاة غير المردود عليه، ومن معه مائتا درهم تؤخذ منه الزكاة، فلم يجز أن تُرَدَّ عليه؛ لما فيه من إبطال الفرق بين الجنسين بين الغني والفقير. شرح صحيح البخاري (3/ 518-519).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تحل لغني» من هو الغني؟ قال بعضهم: الغني: هو الذي تجب عليه الزكاة، وقال بعضهم: من ملك قوت يومه وليلته فهو غني، وقال بعضهم: من ملك خمسين درهمًا فهو غني، وقال بعضهم: من وجد كفايته وعائلته سنة فهو غني، وهذا الأخير أقربها.
أما الأول وهو الذي يقول: من وجبت عليه الزكاة فهو غني، فإننا نقول: نعم هو غني من حيث وجوب الزكاة عليه، لكن قد يكون غنيًّا( ) من حيث جواز دفع الزكاة إليه، قد يكون عند الإنسان مائتا درهم، لكن مائتي درهم لا تكفيه وعائلته ولو لمدة يومين، فهل تقول: هذا غني؟ لا، كيف تجب عليه الزكاة وتجوز له الزكاة؟ نقول: لا منافاة، فالزكاة تجب عليه لوجود سبب الوجوب، ويستحق من الزكاة لوجود شرط الاستحقاق، ولا مانع.
وأصح الأقوال في هذا: أن الغني هو الذي يجد كفايته وكفاية عائلته لمدة سنة. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 139).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قد اختلفت الأقوال في حدِّ الغنى الذي يحرم به قبض الصدقة على أقوال، وليس عليها ما تسكن له النفس من الاستدلال؛ لأن المبحث ليس لغويًّا حتى يرجع فيه إلى تفسير لغة؛ ولأنه في اللغة أمر نسبي لا يتعين في قدر، ووردت أحاديث معينة لقدر الغنى الذي يحرم به السؤال، كحديث أبي سعيد عند النسائي: «من سأل وله أُوْقِية فقد ألحف»، وعند أبي داود: «من سأل منكم وله أُوْقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا»، وأخرج أيضًا: «من سأل وله ما يُغْنِيه فإنما يستكثر من النار، قالوا: وما يغنيه؟ قال: قدر ما يعشيه ويغديه» صححه ابن حبان، فهذا قدر الغنى الذي يحرم معه السؤال.
وأما الغنى الذي يحرم معه قبض الزكاة: فالظاهر أنه من تجب عليه الزكاة وهو من يملك مائتي درهم؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أمرتُ أن آخذها من أغنيائكم، وأردها في فقرائكم»؛ فقابل بين الغني وأفاد أنه من تجب عليه الصدقة، وبين الفقير وأخبر أنه من ترد فيه الصدقة هذا أقرب ما يقال فيه. سبل السلام (1/ 549).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام -رحمه الله-:
ولكن الحد (حد الغنى) عندنا ... ما قد كفتناه السُّنة بالتحديد والتوقيت: أنَّه الأوقية، أو عِدْلها. الأموال (ص: 668).
قوله: «لغاز في سبيل الله»:
قال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
«لغاز في سبيل الله»، وهو منصوص عليه في آية المصارف: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} التوبة: 60 نعم، «لغاز في سبيل الله» هذا يفسر الآية: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} التوبة: 60، فدل على أن قوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} التوبة: 60، المراد بهم: الغزاة، وإن كان اللفظ أعم، الحج في سبيل الله، طلب العلم في سبيل الله، النفع العام والخاص أيضًا كله في سبيل الله. شرح الموطأ (54/ 20).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام -رحمه الله- بعد ذكر حديث الباب:
فأرخص -صلى الله عليه وسلم- للغازي أنْ يأخذ من الصدقة، وإن كان غنيًّا، ونراها تأويل هذه الآية قوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} التوبة: 60، ولم نسمع للغزاة بذكرٍ في الصدقة إلا في هذا الحديث نعلمه. الأموال (ص: 726).
وقال الباجي -رحمه الله-:
فأما الغازي فمباحة له على وجه المعونة له على عدوِّه، وربما كان غناؤه يبلغ به العدد، إلا أنه لا يبلغ منه ما يقوى به في نهاية فَرَاهة فرسه، وجودة سلاحه وآلته، وليس كل غنى يبلغ به المراد من ذلك، وقد يكون عنده من الغنى ما يبلغه النهاية من ذلك، إلا أنه يضر بحاله في المستقبل، فيمتنع من ذلك إبقاء لماله، والمسلمون محاويج إلى غزوه ونصرته، وأبيح له أخذ الصدقة ليبلغ من غزوه بها ما لا يبلغه بماله. المنتقى شرح الموطأ (2/ 151).
وقال العيني -رحمه الله-:
به (يعني: بحديث الباب) استدل الشافعي أن الزكاة يجوز دفعها إلى الغازي -وإن كان غنيًّا-، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز ذلك مطلقًا؛ لقوله -عليه السلام-: «لا تحل الصدقة لغني»، والمراد من قوله: «لغازٍ في سبيل الله» هو الغازي الغني بقوة البدن، والقدرة على الكسب لا الغني بالنصاب الشرعي، بدليل حديث معاذ: «ورُدّها في فقرائهم». شرح أبي داود (6/ 379).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله- متعقبًا:
وفي ذكر هذا (يعني: كلام العيني) غنى عن الرَّدِّ، ويدل على بطلانه أيضًا: حديث عبد الله بن عمرو (يعني: «لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مِرَّة سَوِيٍّ»)، وحديث عبيد الله بن عدي بن الخيار («ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب») المتقدمين كما لا يخفى. مرعاة المفاتيح (6/ 237).
وقال ابن المنذر -رحمه الله- متعقبًا للأحناف:
هذا (يعني: قول أبي حنيفة ومن معه) خلاف ظاهر القرآن والسنة، فأما الكتاب فقوله -عزَّ وجلَّ-: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} التوبة: 60، وأما السنة: لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة، أحدها: أو غازٍ في سبيل الله». الإشراف على مذاهب العلماء (3/ 94).
وقال الشوكاني -رحمه الله- متعقبًا على من اشترط أن يكون الغازي فقيرًا:
فيه (يعني: حديث الباب): التصريح بعدم اشتراط الفقر فيمن اشتمل عليه من جملتهم الغازي ، وفي لفظ منه: «لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو جار فقير يتصدق عليه».
فالسنة قد دلَّت على أنه يصرف إلى هذا الصنف مع الغنى، والقرآن لم يشترط فيه الفقر، فلم يبقَ ما يوجب هذا الاشتراط، بل هو مجرد رأي بحت، فيصرف إليه ما يحتاجه في الجهاد من سلاح ونفقة وراحلة، وإن بلغ أنصباء كثيرة ولا وجه لاشتراط الإيمان، بل كل مسلم مصرف لذلك إذا بذل نفسه للجهاد، ولا سيما إذا كان له شجاعة وإقدام، فإنه أحق من المؤمن الضعيف. السيل الجرار (ص: 253).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وأما الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وسائر أهل العلم فيما علمت فإنهم قالوا: جائز للغازي في سبيل الله إذا ذهبت نفقته وماله غائب عنه أن يأخذ من الصدقة ما يبلغه. التمهيد (5/ 99).
وقال القرافي -رحمه الله-:
«لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله ... » الحديث، ولم يذكر الحج؛ ولأن آخذ الزكاة إما لحاجته إليها كالفقير، أو لحاجتنا إليه كالعامل، والحاج لا يحتاج إليها؛ لعدم الوجوب عليه حينئذٍ إن كان فقيرًا؛ ولأن عنده كفايته إن كان غنيًّا، ولا نحتاج نحن إليه. الذخيرة (3/ 148).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قلتُ: حديث أبي سعيد (يعني: حديث الباب) ينافي هذا التعميم (الوارد في آية المصارف)؛ لكونه كالنص في أن المراد بسبيل الله المطلق في الآية: هم الغزاة والمجاهدون خاصة، فيجب الوقوف عنده. مرعاة المفاتيح (6/ 242).
قوله: «أو لعامل عليها»:
قال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
«لعامل عليها» والعامل منصوص عليه {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} التوبة60. شرح المحرر (55/ 6).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«أو لعامل عليها» أي: على الصدقة. شرح المصابيح (2/ 438).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وأما العامل فإنه يعطى منها عُمَالة على قدر عمله، وأجرة مثله، فسواء كان غنيًّا أو فقيرًا، فإنه يستحق العمالة إذا لم يفعله متطوعًا. معالم السنن (2/ 64).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
وهم السُّعاة الذين يبعثهم الإمام لأخذها (يعني: الصدقة) من أربابها، وجمعها وحفظها ونقلها، ومن يعينهم ممن يسوقها ويرعاها (إن كانت من الأنعام) ويحملها، وكذلك الحاسب والكاتب والكيَّال والوزَّان والعدَّاد، وكل من يحتاج إليه فيها، فإنه يعطى أجرته منها؛ لأن ذلك من مُؤنتها، فهو كعلفها. المغني (6/ 473).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قال ابن عباس: ويدخل في العامل: الساعي والكاتب والقاسم والحاشر الذي يجمع الأموال، وحافظ المال، والعريف وهو كالنقيب للقبيلة وكلهم عمَّال، لكن أشهرهم الساعي والباقي أعوان له، وظاهر هذا: أنه يجوز الصرف من الزكاة إلى العامل عليها، سواء كان هاشميًّا أو غير هاشمي، ولكن هذا مخصص بحديث المطلب بن ربيعة المتقدم (الذي فيه طلبهما منه أن يُؤمرهما على الزكاة فمنعهما)؛ فإنه يدل على تحريم الصدقة على العامل الهاشمي، ويؤيده حديث أبي رافع الآتي («إن الصدقة لا تحل لنا، وإن موالي القوم من أنفسهم») في باب تحريم الصدقة على بني هاشم، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يجوز له أن يصحب من بعثه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الصدقة؛ لكونه من موالي بني هاشم. نيل الأوطار (4/ 201).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وقد أجمع العلماء: أن العامل عليها لا يستحق ثُمْنَها، وإنما له بقدر عُمَالته، فدل ذلك على أنها ليست مقسومة على الأصناف بالسوية. الاستذكار (3/ 207).
وقال الباجي -رحمه الله-:
وأما العامل عليها فإنه يأخذها على وجه العوض من عمله...، وليست لمجرد الإجارة؛ ولذلك لا يجوز أن يستعمل عليها من لا يحل له أخذها من هاشمي أو ذمي، ويجوز أن يستأجر على حراستها وسوقها لما كانت تلك إجارة محضة. المنتقى شرح الموطأ (2/ 151).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
يعطى (يعني: العامل) منها (يعني: من الصدقة) على قدر سعيه لا على قدر ما جمع من الصدقات والعشور، ولا ينظر إلى الثُّمن، وليس الثُّمن بفريضة، وإنما له قدر اجتهاده وعمله. التمهيد (5/ 99-100).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وإنما جاز له (يعني: للعامل) الأخذ مع الغنى؛ لأنه يأخذ للحاجة إليه، فنحن محتاجون إليه لقيامه على الصدقة، فأعطيناه لحاجتنا نحن إليه؛ ولهذا يعطى كما مرَّ مقدار أجرته. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 140).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
فالعامل يُعطى بقدر أجرته التي تحدد له من قبيل ولي الأمر، أو يعطى أجرة مثله إذا لم يتم التحديد، ولا بد أن يحدد العامل، ويحدد الأجرة من له الأمر، وإلا صارت الأمور فوضى... من أراد أن يجمع، من أراد أن يفرض، هذا كلام ليس بصحيح، هذه الأمور مردها إلى ولي الأمر، أو من يكل إليه الأمر ولي الأمر. شرح المحرر (55/ 6).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
واختلف فيما يعطاه العامل، فقال أبو حنيفة وأصحابه: يعطيه الإمام كفايته منها؛ لأن ما يعطاه إنما يستحقه بطريق العمالة لا بطريق استحقاق الزكاة؛ لأنه يعطى وإن كان غنيًّا بالإجماع، ولو كان ذلك صدقة لما حلت له غنيًّا، وهذا إن لم تستغرق كفايته الزكاة، فإن استغرقها لا يُزَادُ على نصفها.
وقال الشافعي: يعطيه الإمام ثُمن الصدقة؛ لأن الله تعالى قسم الصدقات على الأصناف الثمانية، ومنهم العامل فكان له الثُّمن، ورد بأنه لا قسمة في الآية، بل فيها بيان مصارف الصدقات فقط، وقال مالك: يعطى بقدر عمله، وإن استغرق ما جمعه. المنهل العذب المورود (9/ 268).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام -رحمه الله-:
قال مالك: ليس للعامل على الصدقة فريضة مسماة، إنما ذلك إلى نظر الإمام واجتهاده.
قال أبو عبيد (يعني: نفسه): وكذلك قول سفيان وأهل العراق، وهذا عندنا هو المعمول به، لا قول من يذهب إلى توقيت الثُّمن، ولو كان ذلك محدودًا لهم لكانت حال الأصناف الثمانية كلها كحالهم، ولكنهم عندنا إنما هم ولاة من ولاة المسلمين، كسائر العمال من الأمراء والحكام جباة الفيء وغير ذلك، فإنما لهم من المال بقدر سعيهم وعمالتهم، ولا يبخسون منه شيئًا، ولا يزادون عليه، فهذا ما في العاملين. الأموال (ص: 720).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قلتُ: الظاهر عندي أن العامل يستحقه على سبيل الأجرة؛ لأن سبب الاستحقاق إنما هو عمله، فيكون المأخوذ في مقابلته أجرة، فيعطى عمالة بقدر عمله، وأجرة مثله، فإن كانت زائدة على حاجته، أو كان غير محتاج فله أن يأكل منها، ويتصدق، كما يدل عليه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «كُلْ وتصدق»، وقد يجب عليه الزكاة فيما يأخذ منها بشروطها من النصاب والحول، وقد يستغنى عنه، فيسقط سهمه. مرعاة المفاتيح (6/ 243).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
وإذا كان موظفًا من الحكومة فإذا كان ذلك ما يسمونه: بدل انتداب فإنه إذا سافر عن محل عمله يحصل مقابل ذلك غير الوظيفة؛ لكونه انتقل من بلده إلى بلد آخر، فهذا من جنسه إذا كان موظفًا وكان عمله خارج البلد، وأما إذا كان في داخل البلد فهو في حكم الوظيفة. شرح سنن أبي داود (199/ 3).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
ويشترط في العامل كما قال الفقهاء: أن يكون ذكرًا حرًّا بالغًا مسلمًا عدلًا غير هاشمي، أما اشتراط الذكورة والحرية والبلوغ والعقل فلأن ذلك ضرب من الولاية، والولاة يشترط فيهم ذلك؛ ولأن الخائن يذهب بمال الزكاة ويضيعه، وأما كونه مسلمًا فلأن فيها ولاية على المسلمين فاشترط لها الإسلام كسائر الولايات؛ ولأن الكافر ليس بأمين؛ ولهذا قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: لا تأمنوهم وقد خوَّنهم الله، وأنكر على أبي موسى توْلِيَةَ النصراني الكتابة، فالزكاة التي هي من أركان الإسلام أولى، وأما كونه غير هاشمي فلأنه من آل البيت وقد منعهم النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- من أخذهم الزكاة. المنهل العذب المورود (9/ 268).
قوله: «أو لغارم»:
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
المراد به: من تحمل دينًا لا لنفسه في غير معصيه، بل لإصلاح ذات البين، فيعطى من الصدقة ما يؤدي به هذا الدين، وإن كان غنيًا فلا يكلف بسداده من ماله. المنهل العذب المورود (9/ 268).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «أو لغارم» يعني: الغارم الذي استدان دينًا ليصلح به بين طائفتين، مثل: أن تطلب طائفة من طائفة دية أو دينًا كان لهم عليهم، فيمنعون أداءه، وحصل بينهم الأمر إلى الضرب أو القتل، فيستدين رجل ويؤدي ذلك الدين أو الدية، ويصلح بينهم، فيجوز له أخذ الزكاة؛ ليؤدي ذلك الدين وإن كان غنيًّا. المفاتيح (2/ 511).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «أو غارم» وهو من غرم لا لنفسه بل لغيره، كإصلاح ذات البين بأن يخاف وقوع فتنة بين شخصين أو قبيلتين، فيستدين من يطلب صلاح الحال بينهما مالًا لتسكين الثائرة، فيجوز له أو يقضي ذلك من الزكاة، وإنْ كان غنيًّا. نيل الأوطار (4/ 201).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وأما الغارم الغني فهو الرجل يتحمل الحمالة، ويدان في المعروف وإصلاح ذات البين، وله مال إن بيع فيها افتقر، فيوفر عليه ماله، ويعطي من الصدقة ما يقضي به دينه.
وأما الغارم الذي يدان لنفسه وهو معسر، فلا يدخل في هذا المعنى؛ لأنه من جملة الفقراء. معالم السنن (2/ 64).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«أو غارم» أيُّ القسمين من الغارمين؟ الغارم لإصلاح ذات البين؛ لأن الغارم لنفسه يشترط لاستحقاقه ألا يجد ما يسدد دينه، أما الغارم لإصلاح ذات البين، فيعطى ولو كان غنيًّا، اللهم إلا أن يقال: إن الغارم هنا تشمل الصنفين من الغارمين، ويقال: إن الغارم لنفسه قد يكون عنده ما يكفيه من حيث الأكل والشرب واللباس والسكن، لكن ليس عنده ما يسدد دينه، وهذا يعطى، فلو أن رجلًا له راتب وهذا الراتب يكفيه لأكله وشربه ولباسه وسكناه، لكن يحتاج إلى قضاء الدَّين الذي كان عليه بسبب شراء بيت، بسبب شراء سيارة، بسبب زواج، أو ما أشبه ذلك، فهذا يعفى عنه حينئذٍ نقول: هو غني من وجه وفقير من وجه، يعني: لقائل أن يقول: إن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «غارم» يشمل الصنفين من الغارمين. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 140-141).
وقال الباجي -رحمه الله-:
وأما الغارم فإنما تدفع إليه معونة على غرامته، وهو على وجه الصدقة.
المنتقى شرح الموطأ (2/ 151).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وتحل لغارم غرمًا قد فدحه، وذهب بماله، إذا لم يكن غرمه في فساد، ولا دَيْنِه في فساد، مثل أن يستدين في نكاح أو حج أو غير ذلك من وجوه الصلاح والمباح.
قال (عيسى بن دينار): وأما غارم لم يفدحه الغرم ولم يحتج، وقد بقي له من ماله ما يكفيه، فإنه لا حق له في الصدقات. التمهيد (5/ 100).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وفي مشروعيته (يعني: إعطاء الغارم من الزكاة) تحريض لرؤساء القبائل وساداتها على تطفئة نار الحرب، وهي كثيرة الوقوع. شرح سنن أبي داود (7/ 667).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
«أو غارم» غارم تحمَّل دينًا إما لنفسه ركبته الديون التي لم يفرط فيها، ولم يأخذ بسببها أموال الناس تكثرًا، أو يغامر مغامرة المجانين، ثم بعد ذلك تركبه الديون، ثم زكوات المسلمين قد لا تغطي ديونه مثل هذا يعاقب بنقيض قصده؛ لأنه لو علم مثل هذا لزادت مغامرته، وهو يقول: الزكوات تسدد -إن شاء الله- لأني غارم. شرح المحرر (55/ 7).
قوله: «أو لرجل اشتراها بماله»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«أو لرجل اشتراهما» أي: الصدقة من الفقير «بماله». شرح المصابيح (2/ 438).
قال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «أو رجل اشتراها بماله»؛ فيه أنَّه يجوز لغير دافع الزكاة شراؤها، ويجوز لآخذها بيعها، ولا كراهة في ذلك. نيل الأوطار (4/201).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «أو رجل اشتراها بماله» دليل على أن المصدق إذا تصدق بالشيء ثم اشتراه من المدفوع إليه، فإن البيع جائز، وقد كرهه أكثر العلماء مع تجويزهم البيع في ذلك، وقال مالك بن أنس: إن اشتراه فالبيع مفسوخ. معالم السنن (2/ 64).
وقال الباجي -رحمه الله-:
وأما من اشترى الصدقة بماله فليس من باب دفع الصدقة إليه، وإنما الصدقة قد بلغت محلها بدفعها إلى الفقير، ثم ابتاعها الغني بماله. المنتقى شرح الموطأ (2/ 151).
وقال السندي -رحمه الله-:
«أو غني اشتراها» المراد: إنما حصلت له بسبب آخر غير التصدق كالشراء والهدية، فشمل الإرث، وبدل الكتابة بأن كاتب عبدًا فأخذ صدقة، وأعطاها للسيد في بدل الكتابة، والمهر، وغير ذلك. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 565).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«أو لرجل اشتراها بماله» وهذا في الحقيقة ما أخذها من جهة الزكاة، لكن هي عين الصدقة، مثال ذلك: أُعطي هذا الفقير حِقَّة من الإبل، وهي التي عندها ثلاث سنوات، فجاء فباعها على غني حلَّت له هذه الحِقَّة للغني؛ لماذا؟ لأنه أخذها بجهة غير استحقاق الزكاة، وهي الشراء؛ ولهذا قال: «اشتراها بماله» لكن هي حقيقة عين الصدقة، إنما الفقير أخذها بجهة الصدقة، وهذا أخذها بجهة الشراء، فلمَّا اختلفت الجهة جاز، ونظير ذلك: «أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- دخل ذات يوم بيته وطلب طعامًا، فقالوا: ليس عندنا شيءٌ، قال: ألم أرَ البُرمة على النار؟ -البرمة: إناء من خزف أو نحوه- قالوا: يا رسول الله، ذاك لحم تُصُدِّق به على بريرة -يعني: وهو لا يأكل الصدقة- فقال: هو عليها صدقة، ولنا منها هدية»؛ فهو طعام واحد، لكن أخذه النبي -صلى الله عليه وسلم- من بريرة ليس على سبيل الصدقة، بل على سبيل الهدية فهو نظير هذا الحديث. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 140).
قال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
فإذًا، هي صدقة وصلت إلى غني، لكن عن طريق الشراء، ولا يكون هو المتصدّق.
وأما لو كان هو المتصدّق، فقد سبق أن مرَّ بنا قصة عمر -رضي الله عنه- عندما حمل على فرس في سبيل الله، ثم وجده يُباع، فذهب يستأذن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فنهاه عن شرائه، وقال: «لا تَعُدْ في صدقتك».
والسبب في هذا -والله أعلم- أن بائع الصدقة إذا باعها على المتصدّق، فلعله أن يُداريه ويُراعيه؛ لأن له معروفًا وإحسانًا عليه، فيتسامح معه، بخلاف غيره، فإنه لا يستحي منه.
وقد ذُكر في عون المعبود خلاف في هذه المسألة؛ فمنهم من قال بكراهة ذلك، ومنهم من قال: إن البيع مفسوخ.
والذي يظهر أنَّ الإنسان ليس له أن يشتري الصدقة، والمقصود هنا صدقة غيره.شرح سنن أبي داود(٣/199).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
ليس لمخرج الزكاة شراؤها ممن صارت إليه، وروي ذلك عن الحسن وهو قول قتادة ومالك، قال أصحاب مالك: فإن اشتراها لم ينقض البيع، وقال الشافعي وغيره: يجوز؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة؛ رجل ابتاعها بماله»، وروى سعيد (يعني: ابن منصور) في سننه: «أن رجلًا تصدق على أمه بصدقة ثم ماتت، فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: قد قبل الله صدقتك، وردَّها إليك الميراث»، وهذا في معنى شرائها؛ ولأن ما صح أن يملك إرثًا، صح أن يملك ابتياعًا كسائر الأموال.
ولنا (يعني: الحنابلة) ما روى عمر أنه قال: «حملتُ على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، وظننت أنه بائعه برخص، فأردت أن أشتريه، فسألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: لا تَبْتَعه، ولا تعد في صدقتك ولو أعطاكه بدرهم؛ فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه» متفق عليه.
فإن قيل: يحتمل أنها كانت حبيسًا في سبيل الله، فمنعه لذلك.
قلنا: لو كانت حبيسًا لما باعها الذي هي في يده، ولا همَّ عمر بشرائها، بل كان ينكر على البائع ويمنعه، فإنه لم يكن يُقَرُّ على منكر، فكيف يفعله، ويعين عليه؛ ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما أنكر بيعها، إنما أنكر على عمر الشراء معللًا بكونه عائدًا في الصدقة.
الثاني: أننا نحتج بعموم اللفظ من غير نظر إلى خصوص السبب، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تعُدْ في صدقتك» أي: بالشراء فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه، والأخذ بعموم اللفظ أولى من التمسك بخصوص السبب.
فإن قيل: فإن اللفظ لا يتناول الشراء، فإن العود في الصدقة ارتجاعها بغير عوض، وفسخ للعقد، كالعود في الهبة، والدليل على هذا قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «العائد في هبته كالعائد في قيئه» ولو وهب إنسانًا شيئًا، ثم اشتراه منه، جاز.
قلنا: النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر ذلك جوابًا لعمر حين سأله عن شراء الفرس، فلو لم يكن اللفظ متناولًا للشراء المسؤول عنه لم يكن مجيبًا له، ولا يجوز إخراج خصوص السبب من عموم اللفظ؛ لئلا يخلو السؤال عن الجواب، وقد روي عن جابر أنه قال: إذا جاء المصدق فادفع إليه صدقتك، ولا تشترها، فإنهم كانوا يقولون: ابتعها، فأقول: إنما هي لله.
وعن ابن عمر أنه قال: لا تشتر طهور مالك؛ ولأن في شرائه لها وسيلة إلى استرجاع شيء منها؛ لأن الفقير يستحي منه، فلا يماكسه (يعني: ينقص له الثمن) في ثمنها، وربما رخصها له طمعًا في أن يدفع إليه صدقة أخرى، وربما علم أنه إن لم يبعه إياها استرجعها منه أو توهم ذلك، وما هذا سبيله ينبغي أن يُجتنب، كما لو شرط عليه أن يبيعه إياها، وهو أيضًا ذريعة إلى إخراج القيمة، وهو ممنوع من ذلك. المغني (2/ 485).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
كل العلماء يقولون: إذا رجعت إليه بالميراث طابت له إلا ابن عمر، فإنه كان لا يحبسها إذا رجعت إليه بالميراث، وتابعه الحسن بن حي، فقال: إذا رجعت إليه بالميراث وجهها فيما كان وجهها فيه إذا كانت صدقة. التمهيد (3/ 260-261).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
الظاهر: أنه لا معارضة بين هذا (يعني: حديث عمر في المنع من شراء الصدقة) وبين حديث أبي سعيد (يعني: حديث الباب)؛ لأن هذا في صدقة التطوع، وذاك في صدقة الفريضة، فيكون الشراء جائزًا في صدقة الفريضة؛ لأنه لا يتصور الرجوع فيها، حتى يكون الشراء مشبهًا له بخلاف صدقة التطوع، فإنه يتصور الرجوع فيها، فكره ما يشبهه، وهو الشراء، نعم يعارض حديث الباب في الظاهر ما أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه: «أن امرأة أتت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: كنت تصدقت على أمي بوليدة، وإنها ماتت وتركت تلك الوليدة، قال: وجب أجرك، ورجعت إليك في الميراث»، ويجمع بجواز تملك الشيء المتصدق به بالميراث؛ لأن ذلك ليس مشبهًا بالرجوع عن الصدقة دون سائر المعاوضات. نيل الأوطار (4/ 209).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «اشتراها بماله» فإن قلتَ: ما فائدة قيد الاشتراء بالمال، وكذا قوله: «جار مسكين» إلى آخره زيادة في الكلام، وكان يكفي أن يقال: اشتراه، أو أهدي إليه؟
قلتُ: أما الأول فتنبيه على أن ما يعطى للأضياف يصير ملكًا لهم، ومالًا من الأموال، فيجوز إبداله بمثله من المال.
وأما الثاني: فإن الغالب في الهدايا التوادُّ والتحابُّ، والمرء إنما يهدي ليستكثر، وينعطف عليه، وهو أحق بالجار لا سيما إذا كان مسكينًا، ومن ثم أعاده مرارًا. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1507).
قوله: «أو لرجل كان له جار مسكين، فتصدق على المسكين، فأهداها المسكين للغني»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذا إنسان فقير، أخذ من شخص مائة كيلو برٍّ زكاة، وهو فقير، فأهدى منها لإنسان غَني من هذا البرّ.
فلو أن الغني أخذ هذا البرّ ممن عليه الزكاة على أنه زكاة، لم يجز؛ لكن لما أخذهُ من الفقير على أنه هدية، جاز، مع أنه في أَصله زكاة. فتح ذي الجلال والإكرام(3/١٤١)
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«أو لرجل له جار مسكين» المراد به: ما يشمل الفقير؛ «فتصدق على المسكين فأهدى» أي: أهداها «المسكين للغني» فتحل له؛ لأن الصدقة قد بلغت محلها فيه، وفيما قبله، «وله جار» خرج على جهة التمثيل، فلا مفهوم له، فالمدار على إهداء الصدقة التي ملكها المسكين لجار، أو لغيره، وفي حديث إهداء بريرة لحمًا تُصُدِّقَ به عليها إلى عائشة قوله -صلى الله عليه وسلم-: «هو عليها صدقة، وهو منها لنا هدية»، وكذلك الإهداء ليس بقيد، ففي رواية لأحمد وأبي داود في حديث أبي سعيد: «أو جار فقير، يتصدق عليه فيهدي لك أو يدعوك». شرح الزرقاني على الموطأ (2/ 184).
قال الخطابي -رحمه الله-:
وأما المهدى له الصدقة فهو إذا ملكها فقد خرجت عن أن تكون صدقة، وهي ملك لمالك تام الملك جائز التصرف في ملكه.
وقد روي أن بريرة أهدت لعائشة لحمًا تُصُدِّقَ به عليها، فقربته لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأخبرته بشأنها، فقال: «هذا أوان بلغت حلها»، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا تحل له الصدقة. معالم السنن (2/ 64).
وقال الباجي -رحمه الله-:
وكذلك مَن أهداها إليه الفقير، فإنها لم تصر إليه بوجه الصدقة، وإنما انتقلت إليه بعد أن بلغت محلها، وكمل فيها أداء فرض الزكاة. المنتقى شرح الموطأ (2/ 151).
قال الشيخ عبد المحسن -حفظه الله-:
قوله: «فأهداها المسكين للغني»:
أي: فإنها عند ذلك تخرج عن كونها صدقة؛ لأنّ الإنسان الذي أُعطيت له، صارت له ملكًا، فلهُ أن يتصرف فيها كيف يشاء، وذلك إمّا بالبيع، أو الإهداء، أو غير ذلك.
فالصورة السابقة فيها بيع، وهذه الصورة فيها إهداء؛ فسواء خرجت من الفقير إلى غيره من الأغنياء عن طريق البيع -كما في الصورة السابقة- أو عن طريق الإهداء -كما في هذه الصورة الأخيرة - فكل ذلك سواء.
وذكر "الجار" هنا لا مفهوم له؛ فلو تصدّق على مسكين ليس جارًا له، فالأمر سواء، وإنما ذُكر الجار على سبيل المثال، ولأن التهادي يكون غالبًا بين الجيران.شرح سنن أبي داود(3/199).
وقال السندي -رحمه الله-:
ولم يذكر ابن السبيل؛ لأنه لا يأخذه إلا حال الحاجة، فهو بالنظر إلى تلك الحاجة فقير، وإن كان غنيًّا في بلده. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 565).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وظاهر هذا الخبر: يقتضي أن الصدقة تحل لهؤلاء الخمسة في حال غناهم، ولو لم يجز لهم أخذها إلا مع الحاجة والفقر لما كان للاستثناء وجه؛ لأن الله قد أباحها للفقراء والمساكين إباحة مطلقة، وحق الاستثناء أن يكون مخرجًا من الجملة ما دخل في عمومها هذا هو الوجه -والله أعلم-. التمهيد (5/ 101).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله- أيضًا:
وفي هذا الحديث من الفقه: ما يدخل في تفسير قول الله -عز وجل- {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} التوبة: 60 الآية، وتفسير لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ»، وقوله هذا عموم مخصوص بقوله في هذا الحديث: «إلا لخمسة».
وأجمع العلماء: أن الصدقة المفروضة لا تحل لأحد من الأغنياء غير من ذُكِرَ في هذا الحديث من الخمسة الموصوفين فيه. التمهيد (5/ 97).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
فقه الحديث: دل الحديث على أن الصدقة المفروضة لا تحل لغني غير هؤلاء الخمسة، وهو مجمع عليه، فإن دفعها لغني غيرهم عالِمًا بغناه لم تجزه بلا خلاف، وإن اعتقده فقيرًا فبان أنه غني أجزأه عند أبي حنيفة ومحمد والحسن والمختار عند أحمد، وقال أبو يوسف ومالك والشافعي: لا تجزئه، وهو رواية عن أحمد...، ودل على الحث على طلب الإصلاح بين الناس، والترغيب فيه. المنهل العذب المورود (9/ 270).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فيه: بيان أن للغازي وإن كان غنيًّا أن يأخذ الصدقة، ويستعين بها في غزوه، وهو من سهم سبيل الله، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
وقال أصحاب الرأي (يعني: أبا حنيفة وأصحابه): لا يجوز أن يُعطى الغازي من الصدقة إلا أن يكون منقطعًا به. معالم السنن (2/ 63-64).
وقال السندي -رحمه الله-:
الحديث دليل على أن الفقر لازم في مصارف الزكاة كلها -والله أعلم-. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 565).
قال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه دليلٌ على أنَّ الزكاة والصدقة إذا ملكها الآخذ، تغيَّرت صفتها، وزال عنها اسم الزكاة، وتغيَّرت الأحكام المتعلِّقة بها. نيل الأوطار (4/201).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: أنه يجوز لغير دافع الزكاة والصدقة والواقف شراء ما خرج عنه، ويجوز لآخذها بيعها، ولا كراهة له في ذلك.
وفيه: دليل على أن الزكاة أو الصدقة إذا ملكها الآخذ تغيرت صفتها، وزال عنها اسم الزكاة، وتغيرت الأحكام المتعلقة بها حتى إنه يجوز للغني شراؤها من الفقير، وأكلها إذا أهداها له، وللنبي -صلى الله عليه وسلم- ولبني هاشم، ولبني المطلب ممن لا تحل له الزكاة والصدقة ابتداءً.
ويدل عليه: قصة بريرة، وقوله -صلى الله عليه وسلم- في اللحم الذي تُصُدِّقَ به على بريرة: «هو لها صدقة، ولنا هدية» ....
وفيه: أنه يجوز للفقير أن يهدي للغني هدية لا يريد بها أكثر من هديته، فإن أراد، فإطلاق الحديث يقتضي الجواز، وهو وإن كان جائزًا إلا أنه لا ثواب فيه، إلا أنه قد نهى عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قاله الضحاك، واستدل عليه بقوله تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ} الروم: 39، وبهذا فسر الآية ابن عباس ومجاهد والضحاك، واستدل الضحاك بقوله تعالى: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} المدثر: 6 ، أي: لا تعط العطاء تريد أكثر منه.
وفيه: دليل على جواز قبول هدية الفقير والعتيق، وإن كان المهدى له غنيَّا. شرح سنن أبي داود (7/ 667).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
من فوائد الحديث: تحريم الصدقة على الغني، وظاهر الحديث يشمل الواجبة والمستحبة، ولكن ذكر بعض العلماء أن الصدقة غير الواجبة تحل للغني، لكن الأولى أن يتنزه عنها، وأن يقول للمصدق: أعطها من هو أحوج مني.
ومن فوائد الحديث أيضًا: جواز الزكاة للعامل ولو كان غنيًّا، لو أراد العامل أن يتبرَّع بعمله، ولا يأخذ؛ فهو محسن، لكن لو أراد أن يأخذ فلا حرج عليه، وقد أعطى النبي -صلى الله عليه وسلم- عمر حين عمل على الصدقة، فقال: يا رسول الله، أعطه أحوج مني، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «خذ، ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك»، العامل عليها ولو كان واحدًا ولو كانوا جماعة، من الآية: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} التوبة60، ولو كان واحدًا من هذا الحديث: «لعامل عليها».
ومن فوائده أيضًا: أن الرجل إذا اكتسب لجهة مباحة ثم صرفه إلى شخص يحرم عليه لو اكتسبه بهذه الجهة لكان أخذه جائزًا.
لو أن أحدًا اكتسب المال بطريق محرم وأعطاه لشخص بطريق مباح هل يحل لهذا الشخص؟ فيه تفصيل: إذا كان حرامًا لعينه فهو لا يحل لغيره مثل: خمر، خنزير، كلب، وما أشبه ذلك، وكذلك لو علمت أن هذا مال فلان مغصوب، أمّا إذا كان حرامًا لكسبه فإن العلماء اختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: كُلْهُ لك غنمه، وعلى كاسبه غُرْمه؛ لأنك إن أخذته بطريق مباح، والمال نفسه حلال لم يحرم لعينه، لا لحق الله، ولا لحق الآدميين، فقد أخذ بطيب نفس من الباذل، وليس حرامًا لعينه، ولكن الأولى التنزه عن ذلك إلا لمن احتاج، فإن احتاج الإنسان إليه فلا بأس... فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 141-142).
ولإتمام الفائدة ينظر الرواية الأخرى(هنا)