«صلَّى بِنَا النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم النَّحر بالمدينة، فتقدم رجال فنَحَرُوا، وظنُّوا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد نَحَرَ، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- من كان نَحَرَ قَبْلَهُ أن يُعِيْدَ بِنَحْرٍ آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي -صلى الله عليه وسلم-».
رواه مسلم برقم: (1964)، من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
.
شرح الحديث
قوله: «صلَّى بنا النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم النحر بالمدينة»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «صلى بنا..» صلاة العيد «بالمدينة». الكوكب الوهاج (20/ 417).
قوله: «فتقدم رِجَال فنَحَرُوا، وظَنُّوا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد نَحَرَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فتقدم» عليه «رجال» من أصحابه «فنحروا» أضاحيهم قبل النبي -صلى الله عليه وسلم- «و» الحال أنهم قد «ظنوا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد نحر» أضحيته. الكوكب الوهاج (20/ 417).
قوله: «فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- مَنْ كان نَحَرَ قَبْلَهُ أن يُعِيْدَ بِنَحْرٍ آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي -صلى الله عليه وسلم-»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فـ» لما سمعهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، «أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- من كان نحر قبله» -صلى الله عليه وسلم- «أن يعيد» نحره «بنحرِ» حيوان «آخر» غير التي ذبحها أولًا، «و» أمرهم أن «لا ينحروا» في المستقبل، والجملة معطوفة على قوله: «أن يعيد»، «حتى ينحر النبي -صلى الله عليه وسلم-» وهذا مما يحتج به مالك في أنه لا يجزئ في الذبح إلا بعد ذبح الإمام. الكوكب الوهاج (20/ 417).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «ولا ينحروا حتى ينحر النبي -صلى الله عليه وسلم-» هذا مما يحتج به مالك في أنه لا يجزئ الذبح إلا بعد ذبح الإمام...، والجمهور يتأولونه على أن المراد زجرهم عن التعجيل الذي قد يؤدي إلى فعلها قبل الوقت؛ ولهذا جاء في باقي الأحاديث التقييد بالصلاة، وأنَّ مَن ضحَّى بعدها أجزأه ومن لا فلا. شرح صحيح مسلم(13/١١٨).
وقال المظهري -رحمه الله-:
واعلم أن أول وقت الأضحية إذا مضى من يوم العيد بعد ارتفاع الشمس بقدر رمح، قدر صلاة العيد والخطبتين، فإذا مضى هذا القَدْرُ دخل وقت الأضحية، وإن لم يصلِّ القوم، وآخر وقته إذا مضى اليوم الرابع مع يوم العيد، يستوي فيه أهل الأمصار والقرى، هذا مذهب الشافعي -رضي الله عنه-، وأما مذهب أبي حنيفة: أنه يجوز لأهل القرى الأضحية بعد طلوع الشمس، ولا يجوز لأهل المصر حتى يصلي الإمام، فإن لم يصل الإمام فحتى تزول الشمس، وآخر وقته عنده آخر اليوم الثالث مع يوم العيد. المفاتيح (2/ 341).
وقال القدوري -رحمه الله-:
أول وقت الأضحية: طلوع الفجر من يوم النحر، فإذا طلع الفجر اعتُبر في جوازها تقدم شرط آخر، وهو الصلاة في حق المخاطبين بالصلاة في وقتها، فإذا فات وقتها جازت الأضحية إلى بعد الزوال وإن لم يصلِّ الإمام، ومن كان في موضع لا يخاطَب أهله بصلاة العيد جاز أن يضحِّي عقِيب الفجر، وهو أهل السواد والبوادي.
وقال الشافعي -رحمه الله-: لا وقت للذبح يوم الأضحى إلا في قدر صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- وقدر خطبتين خفيفتين. التجريد (12/ 6333).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
ففي هذين الحديثين ( حديث جابر والبراء -رضي الله عنهما-) أن النحر لا يجوز قبل نحر الإمام، وقال معمر، عن الحسن في قول الله -عز وجل-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} الحجرات: 1: نزلت في قوم ذبحوا قبل أن ينحر النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو قبل أن يصلي النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يُعِيْدُوا.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والليث بن سعد: لا يجوز ذبح الأضحية قبل الصلاة، ويجوز بعد الصلاة قبل أن يذبح الإمام. التمهيد (15/ 115).
وقال المازري -رحمه الله-:
«فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- من كان نحر قبله أن يُعيد بنحر آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي -صلى الله عليه وسلم-» وهذا نص في مذهب مالك؛ لأنه أمر بالإعادة مَن نَحَرَ قبله، ونهى عن النحر قبله، وذكر أنهم ظنوا أنه -عليه السلام- نحر فلهذا نحروا، فدل على أن هذا الحكم مشهور عندهم، ولم يعذرهم لظنهم وغَلطهم، وهذا يؤكد ما قاله مالك.
وأما أبو حنيفة فتعلق بهذا الحديث الذي أخذنا في الكلام عنه، وهو قوله: «مَن ذبح قبل أن يصلي أو نصلي فليذبح مكانها أخرى»، وفي بعض طرقه: «من ذبح قبل الصلاة فليذبح شاة مكانها»، وفي بعض طرقه: «ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سُنة المسلمين»، فاعتبر في هذه الأحاديث الصلاة دون الذبح، وقد قال في بعضها: «فمن ذبح بعد الصلاة فقد تمَّ نُسكه»، واشتراط الذبح زيادة تفتقر إلى دليل، وأما الشافعي فرأى أن المراد بذكره الصلاة الوقت، وجَعَلَ الفراغ منها عَلَمًا عليه، فلهذا اعتبر الوقت. المعلم (3/ 88، 89).
وقال القاضي عبد الوهاب -رحمه الله-:
ووقت نحر الأضحية: بعد الصلاة والخطبة، ولا يجوز لأحد أن يذبح قبل الإمام إذا كان الإمام ممن يظهر نحر أضحيته، وينبغي له إحضارها المصلَّى؛ ليقف الناس على وقت ذبحه، فلا يتقدموا عليه، فإن لم يفعل توخَّى الناس قدر انصرافه وذبحه، ثم ذبحوا بعد ذلك، ومَن ذبح قبله متعمدًا أعاد، فإن نحروا ثم بان لهم أنهم سبقوه أجزاهم، وكذلك مَن ذبح في قرية لا إمام فيها فتحرى ذبح من يليه من الأئمة فصادف ذبحه قبله، ولا يجوز ذبح الأضحية بليل. المعونة (ص:665 ، 666).
وقال القاضي عبد الوهاب -رحمه الله- أيضًا:
مَن ذبح قبل الإمام وقبل الصلاة أعاد أضحيته، وقال أبو حنيفة: إن ذبح قبل صلاته لم يجزه، وإن ذبح بعد الصلاة وقبل ذبحه أجزأه، وقال الشافعي: الاعتبار بمقدار ما تُصلى فيه صلاة العيدين، بركعتين وقراءتهما وتمامهما، فإذا ذهب هذا القدر أجزأه، سواء صلى الإمام أم لا. عيون المسائل (ص483).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
سُنة الذبح بعد الصلاة، وأجمع العلماء أن مَن ذبح قبل الصلاة فعليه الإعادة؛ لأنه ذبح قبل وقته، واختلفوا فيمن ذبح بعد الصلاة وقبل ذبح الإمام، فذهب أبو حنيفة والثوري والليث إلى أنه يجوز ذلك، واحتجوا بحديث البراء أن النبي -عليه السلام- قال: «أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر»، وبقوله في حديث جندب بن سفيان: «من ذبح قبل أن يصلي فليعد»، قالوا: فإذا حل للإمام الذبح بتمام الصلاة حلَّ لغيره، ولا معنى لانتظاره، وقال مالك والأوزاعي والشافعي: لا يجوز لأحد أن يذبح قبل الإمام، واحتجوا بحديث ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر: «أن النبي -عليه السلام- صلى يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي قد نحر، فأمرهم أن يعيدوا»، وقال الحسن في قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} الحجرات: 1. قال: نزلت في قوم نحروا قبل أن ينحر النبي -عليه السلام-.
ودفع الطحاوي حديث ابن جريج عن أبي الزبير، عن جابر، وقال: رواه حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر: «أن رجلًا ذبح قبل أن يصلي النبي -عليه السلام- فنهى رسول الله أن يذبح أحد قبل الصلاة»، قال: ففي هذا الحديث أن النهي من النبي -عليه السلام- إنما قصد به إلى النهي قبل الصلاة لا قبل ذبحه هو، ولا يجوز أن ينهاهم عن الذبح قبل أن يصلي إلا وهو يريد بذلك إعلامهم إباحة الذبح لهم بعدما يصلي، وإلا لم يكن لذكر الصلاة معنى، قالوا: ويشهد لهذا قوله -عليه السلام- في حديث البراء: «إنَّ أوَّلَ نُسُكِنَا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة، ثم نرجع فننحر» فأخبر أن النسك يوم النحر إنما هو الصلاة، ثم الذبح بعدها، فدل ذلك على أن ما يحل به الذبح هو الصلاة لا نحر الإمام الذي يكون بعدها، وأن حكم النحر قبل الصلاة خلاف حكمه بعدها، وأما من طريق النظر فإنا رأينا الإمام لو لم ينحر أصلًا لم يكن ذلك بمسقط عن الناس النحر، ولا مانع لهم منه، ولو أن إمامًا تشاغل يوم النحر بقتال عدو أو غيره فلم ينحر أن لغيره ممن أراد الضحية أن يضحي شرح صحيح البخاري (6/ 25 - 26) وينظر شرح معاني الآثار للطحاوي(4/١٧٢).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
واختلفوا في وقت الذبح، فقال كثير من أهل العلم: لا يذبح حتى يصلي الإمام، ومنهم مَن شَرَطَ انصرافه بعد الصلاة، ومنهم من قال: حتى ينحر الإمام.
وقال الشافعي: وقت الأضحى قدر ما يدخل الإمام في الصلاة حين تحل الصلاة، وذلك إذا نوَّرت الشمس، فيصلي ركعتين، ثم يخطب خطبتين خفيفتين، فإذا مضى من النهار مثل هذا الوقت حل الذبح.
وأجمعوا أنه لا يجوز الذبح قبل طلوع الشمس. معالم السنن (2/ 229، 230).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
اختلف الفقهاء في أول وقت الأضحية على أربعة مذاهب:
أحدها: وهو مذهب الشافعي: أن أول وقتها في الأمصار والقرى للحاضر والمسافر واحد، وهو معتبَر بوقت الصلاة لا بفعلها، فإذا طلعت الشمس وارتفعت حتى خرجت عن كراهة التنفل بالصلاة، ومضى بعد ذلك قدر ركعتين وخطبتين، دخل وقت النحر، وجاز ذبح الأضحية فيه، سواء صلى الإمام في المصر أو لم يصلِّ...
والمذهب الثاني: وهو قول أبي حنيفة: إنه معتبر في الأمصار بصلاة الأئمة فيها، وفي القرى والأسفار معتبَر بطلوع الفجر، فإن ضحى أهل الأمصار قبل صلاة الأئمة كان شاة لحم ولم تكن أضحية.
والمذهب الثالث: هو قول مالك: إنه في الأمصار معتبر بصلاة الإمام ونحره، وفي القرى والأسفار معتبر بصلاة الأئمة في أقرب البلاد بهم، فإنْ ذبح أهل الأمصار قبل ذبح الإمام كانت شاة لحم ولم تكن أضحية.
والمذهب الرابع: وهو قول عطاء: إنه في وقت جميع الناس معتبر بطلوع الشمس من يوم النحر. الحاوي (15/ 85).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
واختلفوا في الوقت الذي يجوز فيه ذبح الأضحية، فكان الشافعي يقول: إذا برزت الشمس ومضى من النهار قدر ما يدخل الإمام في الصلاة فيصلي ركعتين، ويخطب خطبتين خفيفتين، حلَّ الأضحى، وقال الحسن البصري: إذا ذبح قبل صلاة الإمام يعيد، وقال الأوزاعي: لا يصلح إلا بعد الصلاة، وقال أحمد: إذا انصرف الإمام، وقال إسحاق: إذا فرغ الإمام من الخطبة، وقال مالك: في أهل البوادي يتحرَّون أقرب الأئمة إليهم فينحرون بعده، وفيه قول ثان: وهو أنَّ مَن ذبح بعد الصلاة والإمام يخطب أجزاه، هذا قول الثوري، وقال مالك: إنْ ذَبَحَ قبل الإمام أعاد، وقال عطاء: إذا ذبح بعد طلوع الفجر في غير مصر أجزاه، وبه قال إسحاق، وأصحاب الرأي في البوادي.
وقال أصحاب الرأي في أهل الأمصار: يذبحون بعد انصراف الإمام.
قال أبو بكر: الذي قاله الشافعي حسن. الإشراف(3/ 404، 405).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
واختلفوا في أول وقت الأضحية، فقال أبو حنيفة: لا يجوز لأهل الأمصار الذبح حتى يصلي الإمام العيد، فأما أهل القرى فيجوز لهم بعد طلوع الفجر، وقال مالك: وقته بعد الصلاة والخطبة وذبح الإمام، وقال الشافعي: وقت الذبح إذا مضى من الوقت مقدار ما يصلي فيه ركعتين وخطبتين بعدهما، وقال: يجوز ذلك بعد صلاة الإمام وإن لم يكن الإمام ذبح، ولم يفرِّق بين أهل القرى والأمصار، بل قال: إن القرى يَتوخى أهلها مقدار صلاة الإمام وخطبتيه، أن يصلي عندهم صلاة العيد، وإن كانت تُصلى فبعدها.
واتفقوا على أنه يجوز ذبح الأضحية ليلًا في وقتها المشروع لها، كما يجوز في نهاره، إلا مالكًا فإنه قال: لا يجوز ذبحها ليلًا، وعن أحمد رواية مثله، وأبو حنيفة يكرهه مع جوازه. اختلاف الأئمة العلماء (1/ 334، 335).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
ووقت ذبح الأضحية أو نحرها: هو أن يمهل حتى تطلع الشمس من يوم النحر، ثم تبيضَّ وترتفع، ويمهل حتى يمضي مقدار ما يصلي ركعتين، يقرأ في الأولى بعد ثمان تكبيرات أم القرآن وسورة ق، وفي الثانية بعد ست تكبيرات أم القرآن وسورة اقتربت الساعة وانشق القمر بترتيل، ويتم فيهما الركوع والسجود، ويجلس ويتشهد ويسلم، ثم يذبح أضحيته أو ينحرها البادي والحاضر، وأهل القرى والصحاري، والمدن سواء في كل ذلك، فمَن ذَبَحَ أو نَحَرَ قبل ما ذكرنا ففرضٌ عليه أن يضحي، ولا بد بعد دخول الوقت المذكور، ولا معنى لمراعاة صلاة الإمام، ولا لمراعاة تضحيته. المحلى (6/ 35).