الأحد 6 شعبان 1447 | 2026-01-25

A a

«إنَّ ‌أَحْسَابَ ‌أهلِ ‌الدنيا الذي يَذهَبُونَ إليهِ هذا المالُ».


رواه أحمد برقم (22990)، والنسائي برقم: (3225)، وابن حبان برقم: (700)، والحاكم برقم: (2689)، من حديث بُريدة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (1544)، التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان برقم: (698).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«‌أَحْسَابَ»:
جمْعُ حَسَب، بمعنى: الكرم والشَّرَف. التيسير، للمناوي (1/ 308).
والحسب في الأصل: الشرف بالآباء، وما يَعُدُّهُ الإنسان من مفاخرهم. مجمع بحار الأنوار، للفتني (1/ 507).
وقال المطرزي -رحمه الله-:
وحسب الرجل: مآثر آبائه. المغرب (ص: 114).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الحَسَب في الأصل: الشرف بالآباء وبالأقارب، مأخوذٌ مِن الحساب؛ لأنَّهم كانوا إذا تفاخروا عدُّوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومهم، وحسبوها، فيحكم لمن زاد عدده على غيره. فتح الباري (9/ 135).


شرح الحديث


قوله: «إنَّ ‌أَحْسَابَ ‌أهلِ ‌الدنيا»:
قال السندي -رحمه الله-:
«أنَّ ‌أحساب ‌أهل ‌الدنيا» أي: فضائلهم التي يرغبون فيها، ويميلون إليها، ويعتمدون عليها في النكاح وغيره. حاشية السندي على سنن النسائي (6/ 64).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «إنَّ ‌أحسابَ ‌أهل ‌الدنيا» جمع حسب، بمعنى: الكَرم والشَّرف والمجد، سماهم أهل الدنيا؛ لشغفهم بها، وطُمأنينتهم إليها، كما يشغف الرجل بأهله، ويأنس إليهم، فصاروا أهلًا لها، وهي أهل، وصارت أموالهم أحسابًا لهم، يفتخرون بها، ويحتسبون بكثرتها...، وأعرضوا عن الافتخار بنسب المتقين. فيض القدير (2/ 416).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إنَّ أحساب» جمع حسب...، «أهل الدنيا» التي هي همُّهم. التنوير (3/ 564).

قوله: «الذي يذهبون إليه هذا المالُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «الذي» هكذا وقع عند المصنف (النسائي) وابن حبان والحاكم بلفظ: «الذي» وهو الوجه، ووقع في مسند الإمام أحمد بلفظ: «الذين». ذخيرة العقبى (27/ 87).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «الذين يذهبون إليه» كذا وقع في أصلنا من مسند الإمام أحمد، وصوابه «الذي يذهبون إليه»، وكذا رواه النسائي وابن حبان والحاكم، والوجه: أنَّ ‌أحساب ‌أهل ‌الدنيا التي يذهبون إليها فيُؤتى بوصف الأحساب مؤنثًا؛ لأن الجموع مؤنثة، وكأنَّه رُوعِيَ في التذكير المعنى دون اللفظ، وأما «الذين» فلا يظهر له وجه؛ لأنَّه ليس وصفًا لأهل الدنيا، وإنَّما هو وصف لأحسابهم، إلا أنْ يكون اكتسب ذلك منه للمجاورة، كاكتساب الإعراب من المجاور في قوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} المائدة : 6، وفي قوله: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، في أمثلة لذلك معروفة. طرح التثريب (7/ 19-20).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
هكذا قال: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} المائدة: 6، وفيه نظر، بل الذي مثَّلوا به -على ما قيل-: قوله تعالى: {وَأَرْجُلِكُم إِلَى الكَعْبَين} في قراءة الجرِّ، عطفًا على {رُؤُوسِكُم} من قوله: {{وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} المائدة: 6، وإنْ كانت الأرجل من المغسولات، لكن جرت للمجاورة، فَلْيُتَنَبَّه. ذخيرة العقبى (27/ 87).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«الذين يذهبون إليه» أي: يُعَوِّلُون عليه... «هذا المال» يعني: شأن أهل الدنيا رَفْع مَن كثُر ماله ولو وضيعًا، وضِعَة المقل وإنْ كان في النسب رفيعًا. التيسير (1/ 308).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«الذين يذهبون إليه» يتفاخرون به «هذا المال».
وفيه: أنَّ فخر أهل الآخرة هو الدين الذي ليس فوقه من فخر. التنوير (3/ 564).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«يذهبون إليه» أي: يميلون إليه، ويعتمدون عليه «المال» بالرفع خبر «إنَّ»، ولفظ أحمد: «هذا المال» يعني: أنَّ فضائلهم التي يرغبون فيها، ويميلون إليها، ويعتمدون عليها في النكاح وغيره هو المال، ولا يعرفون شرفًا آخر مساويًا له؛ بل ولا مُدانيًا له أيضًا، لا علمًا ولا دينًا ولا ورعًا، وهذا هو الذي صدَّقه الوجود، فصاحب المال عندهم عزيز كيفما كان، والفقير عندهم ذليل كيفما كان. ذخيرة العقبى (27/ 87).
وقال العراقي -رحمه الله-:
هذا الحديث يحتمل أنْ يكون خرج مخرج الذَّمِّ لذلك؛ لأن الأحساب إنما هي بالأنساب لا بالمال، فصاحب النسب العالي هو الحسيب، ولو كان فقيرًا، والوضيع في نسبه ليس حسيبًا ولو كان ذا مال، ويحتمل أنْ يكون خرج مخرج التقرير له، والإعلام بصحته، وإنَّ تفاخر الإنسان بآبائه الذين انقرضوا مع فقره لا يحصل له حسب، وإنما يكون حسبه وشرفه بماله، فهو الذي يرفع شأنه في الدنيا، وإن لم يكن طيب النسب، ويدل للاحتمال الثاني ما رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم في مستدركه من حديث قتادة عن الحسن قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الحسب المال، والكرم التقوى»، قال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وقد ذكر بعضهم: أنَّ الحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن له آباء لهم شرف، والشرف والمجد لا يكونان إلا بالآباء. وروى الحاكم في مستدركه من حديث مسلم بن خالد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «كرم المرء دينه، ومروءته عقله، وحسبه خُلقه»، وقال: هذا الحديث صحيح على شرط مسلم...
ويترتب على هذين الاحتمالين: أنَّ المال هل هو معتبر في كفاءة النكاح حتى لا يكون الفقير كفؤًا للغَنِيَّةِ أو ليس معتبرًا؟ فإنَّ الحسب ليس هو المال، وإنما هو النسب، إن جعلناه ذمًّا دل على أن المال غير معتبر، وإن جعلناه تقريرًا اعتبرناه، وفي ذلك خلاف لأصحابنا الشافعية، والأصح عندهم: عدم اعتباره، وقد فهم النسائي من هذا الحديث هذا المعنى في الجملة، فأورده في سننه في كتاب النكاح، وبوَّب عليه الحسب، وإذا قلنا: باعتبار اليسار في الكفاءة فهل المعتبر يسار بقدر المهر والنفقة؟ فإذا أيسر به فهو كفؤ لصاحبة الألوف أو لا يكفي ذلك؛ بل الناس أصناف غني ومتوسط؟ طرح التثريب (7/ 20).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وأما ما أخرجه أحمد والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم من حديث بريدة رفعه: «إنَّ ‌أحساب ‌أهل ‌الدنيا الذي يذهبون اليه المال»؛ فيحتمل أن يكون المراد: أنه حسبُ من لا حسب له، فيقوم النسب الشريف لصاحبه مقام المال لمن لا نسب له، ومنه حديث سمرة رفعه: «الحسب المال، والكرم التقوى» أخرجه أحمد والترمذي وصححه هو والحاكم، وبهذا الحديث تمسك من اعتبر الكفاءة بالمال...، أو أنَّ من شأن أهل الدنيا رِفعة مَن كان كثير المال ولو كان وضيعًا، وضعة من كان مُقِلًّا ولو كان رفيع النسب، كما هو موجود مشاهد، فعلى الاحتمال الأول: يمكن أنْ يُؤخَذ من الحديث: اعتبار الكفاءة بالمال...، لا على الثاني؛ لكونه سيق في الإنكار على من يفعل ذلك. فتح الباري (9/ 135).
وقال المغربي -رحمه الله-:
أما ما أخرجه أحمد والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم من حديث بُريدة يرفعه: «أحساب ‌أهل ‌الدنيا الذي يذهبون إليه المال» فهو لا يُؤخَذ منه أنَّ المال مُعتبر في الكفاءة، فإنَّ الظاهر من معناه: أنَّ مِن شأن أهل الدنيا رفعة من كان كثير المال، ولو كان وضيعًا، وضعَةَ من كان مُقِلًّا ولو كان كريمًا، كما هو موجود مشاهَد، ولكن هذا الذي يذهب إليه أهل الدنيا من سوء نظرهم، وعدم التفاتهم إلى ما ينفع في العقبى، كما قال الله تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} الروم : 7، وقد كفى -سبحانه وتعالى- في الرد على مَن اعتبر غير الدين بقوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} الحجرات : 13، ثم قال: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} الحجرات : 13، أي: أنَّ الحكمة في ذلك هي أنْ يعرف بعضكم نسب بعض، فلا يعتزي إلى غير آبائه، لا أنْ يتفاخروا بالآباء والأجداد، ويدَّعوا التفاوت والتفاضل في الأنساب، ثم بيَّن الخصلة التي بها يفضل الإنسان غيره، ويكتسب الشرف والكرم عند الله، فقال: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} الحجرات : 13، كأنه قيل: لِمَ لا يتفاخر بالأنساب؟ فقيل: لأن أكرمكم عند الله أتقاكم لا أنسبكم، وكذلك ما صرَّح به النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة لما طاف، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «الحمد لله الذي أذهب عنكم عِبِّيَّة -بضم المهملة وكسرها: الكِبْر والفخر- الجاهلية وتكبُّرَها، يأيها الناس، إنما الناس رجُلان؛ مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقي هَيِّنٌ على الله» ثم قرأ الآية، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «مَن سرَّه أنْ يكون أكرم الناس فليتقِ الله»؛ فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- الالتفات إلى النسب من عِبِّيَّة الجاهلية وتكبرها، فكيف يعتبره المؤمن، ويُبنَى عليه حكم شرعي؟! وفي الحديث شيء كثير مما يفيد التواتر المعنوي في النهي عن الالتفات إلى النسب، لا سيما النسب المنقطع في الدنيا، كنسب من لا يُنسب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-. البدر التمام (7/ 144-146).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
ويحتمل أنْ يكون المراد: أنَّ هذا هو الذي يعتبره أهل الدنيا، كما صرَّح به في حديث بريدة، وأنَّ هذه حكاية عن صنيعهم واغترارهم بالمال، وعدم اعتدادهم بالدين، فيكون في حكم التوبيخ لهم والتقريع. السيل الجرار (ص: 376).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
يحتمل أنْ يكون معنى حديث بريدة خرج على الذَّمِّ لأهل الدنيا، والخبر عن حال أهلها في الأغلب -والله أعلم-. التمهيد (12/ 131-132).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله- أيضًا:
ما رُوي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: «إنَّ أحساب أمتي التي ينتمون إليها المال» هذا أيضًا على وجه الذَّمِّ؛ لأنه قال -صلى الله عليه وسلم-: «لكل أمَّة فتنة، وفتنة أمتي المال». الاستذكار (5/ 115).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
أما ما أخرجه أحمد والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم من حديث بريدة رفعه: «إنَّ ‌أحساب ‌أهل ‌الدنيا الذي يذهبون إليه المال»؛ فيحتمل أنْ يكون المراد: أنَّه حسب من لا حسب له، فيقوم المال لصاحبه مقام الحسب لمن لا نسب له، ومنه: حديث سمرة رفعه: «الحسب المال، والكرم التقوى» أخرجه أحمد والترمذي وصححه هو والحاكم.
ويحتمل أنَّ هذين الحديثين يشيران إلى خطأ أهل الدنيا في اعتبارهم المال واعتدادهم به، كالحسب وزيادة، وكأنه يقول: إنَّ شأن أهل الدنيا في بعض المجتمعات، وفي بعض الأزمنة؛ يرفعون كثير المال، وإنْ كان وضيعًا، ويضعون من كان مُقِلًّا ولو كان رفيع النسب، وهو موجود مشاهد، لكن لا يُقِرُّه شرع ولا عقل سليم. فتح المنعم (6/ 35).
وقال الروياني الشافعي -رحمه الله-:
وإذا كان كذلك فإن كانوا من أهل الأمصار الذين يتفاخرون ويتكاثرون بالأموال دون الأنساب، فالمال فيهم معتبر في شرط الكفاءة، وإنْ كانوا من البوادي وعشائر القرى يتفاخرون ويتكاثرون بالأنساب دون الأموال، ففي اعتبار المال في شرط الكفاءة بينهم وجهان:
أحدهما: أنَّه شرط معتبر، كأهل الأمصار؛ لما فيه من القدرة على أمور الدنيا.
والثاني: أنَّه ليس بشرط معتبر؛ لأنه يزول، فيفتقر الغني، ويستغني الفقير...، ثم إذا جعل المال شرطًا في الكفاءة ليس التماثل في قدره معتبرًا حتى لا يكافئ مَن ملك ألف دينار إلا مَن ملك مثلها، ولكن أنْ يكونا موصوفين بالغني فيصيرا كفأين، وإن كان أحدهما أكثر مالًا، ولا يعتبر فيه أيضًا التماثل في أجناس المال، بل إذا كان مال أحدهما دنانير، ومال الآخر عقارًا أو عروضًا كانا كفأين. بحر المذهب (9/ 104).


إبلاغ عن خطأ