السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فِي العسلِ: ‌في ‌كلِّ ‌عشرةِ ‌أَزُقٍّ ‌زِقٌّ».


رواه الترمذي برقم: (629) واللفظ له، والبيهقي في الكبرى برقم: (7457)، والبغوي في شرح السنة برقم: (1581)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (4252).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«أَزُقٍّ»:
بفتح الهمزة، وضم الزاي: جمع زِق، وهي ظرف من جلد، يجعل فيه العسل والسمن، وغيرهما. المفاتيح، للمظهري (2/ 502).
وقال الخليل -رحمه الله-:
الزِّق: وعاء للشراب، وهو الجلد يجز شعره، ولا يُنْتَفُ نتفَ الأديم. العين، للفراهيدي (5/ 13).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
الزِّق: السقاء الذي زُقَّ جلده، أي: سُلخ من قبل رأسه. قوت المغتذي (1/ 243-244).


شرح الحديث


قوله: «في العسل في كلِّ عشرةِ أَزُقٍّ زِقٌّ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-
قوله: «في العسل، في كل ‌عشرة ‌أَزُقٍّ ‌زُقٍّ» ظرف من جلد يجعل فيه العسل والسمن، وغير ذلك.
وهذا يدل على أنَّ في العسل العشر، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي في القديم وأحمد، وفي الجديد: لا عشر فيه، وعليه مالك. شرح المصابيح (2/ 426-427).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«في كل ‌عشرة ‌أَزُقٍّ زُقّ» تمسك به الأوزاعي وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق، وأوجبوا فيه العُشر، وقد طعن في إسناده الإمام أبو عيسى الترمذي. تحفة الأبرار (1/ 473).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
قوله: «في العسل في كل ‌عشرة ‌أزق ‌زق» هذا ظاهر على مذهب الإمام (أبي حنيفة)، وليس ذِكْرُ عشرة أَزُقٍّ تحديدًا للنصاب حتى لا يجب العشر في أقل منها، وإنما هي بيان لمقدار الواجب في العسل بأنه زُقٌّ في عشرة أَزُقٍّ.
ومنع الشافعي -رحمه الله- وحمله على دود القز، والجواب: أنَّ القَزَّ إنما يتولد بأكل الدودة أوراق الأشجار، وليس فيها عشر حتى يجب فيما يتولد منها، ولا كذلك النحل؛ فإن العسل إنما يتولد بأكلها من ثمار الأشجار وأزهارها، وفيها العشر، ثم إنَّ أبا يوسف ومحمد -رحمهما الله- اشترطا نصابًا لا يجب العشر في العسل ما لم يبلغه. الكوكب الدري (2/ 12- 13).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«في كل عشرة أزق» ...، اختلف العلماء في وجوب الزكاة في العسل، فلا زكاة عند الشافعي، وروى البيهقي عن علي -رضي اللَّه عنه-: ليس في العسل زكاة، وعند أبي حنيفة: فيه العشر إنْ كان في الأرض العشرية قلَّ أو كثر، ولم يعتبر فيه نصابًا مُتَعَيِّنًا كما في الخارج من الأرض الخضراوات والفواكه، وحُجَّتُه: قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ما أخرجته الأرض ففيه العشر»، وفي رواية عن أبي يوسف: يعتبر فيه القيمة، وفي أخرى: عشرة قِرَب، كما في حديث الترمذي المذكور في الكتاب، وأما العسل الذي يخرج من الجبل ففيه أيضًا العشر عند الإمام (أبي حنيفة)، وعند أبي يوسف: لا شيء فيه، ونقل عن الجامع الصغير (لمحمد بن الحسن): أنَّ ما يوجد في الجبال والبرِّيَّة وأرض الموات من العسل إن أحرزه ففيه العشر، وما لم يُحرِزه فحكمه حكم الصيد، وعند أبي يوسف والحسن: حكم الصيد في كلا القسمين. لمعات التنقيح (4/ 273-274).
وقال العيني -رحمه الله-:
قلتُ: تحقيق مذهبنا فيه: أنَّ عند أبي حنيفة: يجب في قليله وكثيره؛ لأنه لا يشترط النصاب في العشر، وعن أبي يوسف: إذا بلغت قيمته خمسة أوساق، وعنه: أنه قدَّره بعشرة أرطال، قال في المبسوط (للسرخسي): وهي رواية الأمالي، وهي: خمسة أَمْنَاء (جمع الْمنَّ: وهو نوع من الأوزان مقداره رطلان)، وعنه: أنه اعتبر فيه عشر قِرَب، وعن محمد (ابن الحسن) ثلاث روايات: إحداها: خمس قِرَب، والقربة خمسون مَنًّا، ذكره في الينابيع، وفي المغني: القربة مائة رطل، والثانية: خمسة أَمْنَاء، والثالثة: خمسة أواق، وقال السرخسي: وهي تسعون منًّا. عمدة القاري (9/ 71).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وفي الجديد (من مذهب الشافعي): لا زكاة فيه، وهو مذهب مالك؛ لأنه ليس بقوت، ولم يصح فيه خبر. فيض القدير (4/ 452).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
اختلف أهل العلم في صدقة العسل، فممَّن رأى فيه العشر: مكحول وسليمان بن موسى (الأشدق)، والأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقال النعمان (أبو حنيفة): إذا كان العسل في أرض العشر ففي قليل العسل وكثيره العشر، وقال يعقوب ومحمد: ليس فيما دون خمسة أوسق من العسل عشر.
وفي قول مالك وابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح والشافعي: لا زكاة فيه، وقد روينا ذلك عن ابن عمر، وعمر بن عبد العزيز.
قال أبو بكر (ابن المنذر): ليس في وجوب صدقة العسل خبر ثابت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا إجماع، فلا زكاة فيه. الإشراف (3/ 33-34).
وقال البغوي -رحمه الله-:
اختلف العلماء فيه (أي: زكاة العسل) فذهب قوم إلى أنه لا صدقة فيه، روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وبه قال مالك وابن أبي ليلى والثوري والشافعي، كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله على دمشق: إنما الصدقة في العين والحرث والماشية.
وذهب قوم إلى إيجابها، وبه قال مكحول والزهري، وإليه ذهب الأوزاعي وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق، قالوا: فيه العشر.
وروي عن سعد بن أبي ذباب، قال: كلمتُ قومي في العسل، فقلتُ لهم: زكُّوه، فإنه لا خير في ثمر لا يزُكَّى، فأخذتُ منهم العشر، فأتيتُ عمر بن الخطاب، فأخذه عمر فباعه، ثم جعل ثمنه في صدقات المسلمين.
وروي عن عمر أنه قال في خلايا العسل: «فيها العشر»، أراد بالخلايا: المواضع التي تعسل فيها النحل، واحدتها خلية. شرح السنة (6/ 45-46).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
قال الشافعي في القديم: الحديث في أن في العسل العشر ضعيف، وفي أن لا يؤخذ منه العشر ضعيف، إلا عن عمر بن العزيز...، وتفصيل المذهب في زكاة العسل: أن الشافعي قال في القديم: محتمل أنْ يُقال: تجب، ويحتمل أنْ يُقال: لا تجب، وقطع في الجديد أنها لا تجب، وبه قال مالك وابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عبد العزيز.
وقال أبو حنيفة: إن كان في غير أرض الخراج وجب فيه العشر قليلًا كان أو كثيرًا، وقال صاحباه: ليس فيما دون خمسة أوسق منه عُشْر، وقال أحمد: تجب بكل حال، وبه قال مكحول وسليمان بن موسى والأوزاعي وإسحاق. الشافي (3/ 93-94).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما العسل فالصحيح عندنا: لا زكاة فيه مطلقًا، وبه قال مالك والثوري والحسن بن صالح وابن أبي ليلى وابن المنذر، وروينا هذا عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز. المجموع (5/ 456).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه دليل على ما ذهب إليه الشافعي في القول القديم: أنَّ فيه الزكاة، وهو العشر، وهو مذهب أحمد، وروي عن عمر بن عبد العزيز ومكحول والزهري والأوزاعي.
وقال مالك والشافعي في الجديد وابن المنذر: لا زكاة فيه؛ لأنه مائع خرج من حيوان فأشبه اللبن.
وقال أبو حنيفة: إنْ كان في أرض العشر ففيه الزكاة، وإلا فلا زكاة فيه. شرح سنن أبي داود (7/ 564).
وقال الكشميري الحنفي -رحمه الله-:
ولنا في وجوب العشر مرسل جيد، أخرجه الزيلعي، وما عند أبي داود: «في كل ‌عشرة ‌أَزُقٍّ ‌زُقٌّ». فيض الباري (3/ 148).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
أما مناقضة أبي حنيفة وإيجابه الزكاة في العسل ولو أنه قطرة إذا لم يكن في أرض الخراج فظاهرة لا خفاء بها.
وأما تحديد صاحبيه ففي غاية الفساد والخبط والتخليط، وهو إلى الهزل أقرب منه إلى الجد، لكن في العسل خلاف قديم...، فلا يجوز إيجاب فرض زكاة في مال لم يصح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه إيجابها، فإن احتجوا بعموم قول الله تعالى: {خُذْ مِن أَمْوَالِهِم صَدَقَةً} التوبة: 103، قيل لهم: فأوجبوها فيما خرج من معادن الذهب والفضة وفي القصب وفي ذكور الخيل، فكل ذلك أموال للمسلمين، بل أوجبوها حيث لم يوجبها الله تعالى، وأسقطوها مما خرج من النخل والبر والشعير في أرض الخراج، وفي الأرض المستأجرة، ولكنهم قوم يجهلون. المحلى بالآثار (4/ 36-39).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
ومذهب أحمد: أنَّ في العسل العُشر، قال الأثرم: سُئل أبو عبد الله: أنت تذهب إلى أنَّ في العسل زكاة؟ قال: نعم، أذهب إلى أنَّ في العسل زكاة العُشر، قد أخذ عمر منهم الزكاة، قلتُ: ذلك على أنهم تطوَّعوا به؟ قال: لا، بل أخذه منهم، ويُروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز ومكحول والزهري وسليمان بن موسى والأوزاعي وإسحاق.
وقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وابن المنذر: لا زكاة فيه؛ لأنه مائع خارج من حيوان أشبه اللبن.
قال ابن المنذر: ليس في وجوب الصدقة في العسل خبر يثبت ولا إجماع، فلا زكاة فيه.
وقال أبو حنيفة: إن كان في أرض العشر ففيه الزكاة وإلا فلا زكاة فيه.
ووجه الأول: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يؤخذ في زمانه من قِرَب العسل، مِنْ كل عَشر قِرَب قربة من أوسطها» رواه أبو عبيد والأثرم وابن ماجه.
وعن سليمان بن موسى: أنَّ أبا سيارة المتعي قال: «قلتُ: يا رسول الله، إن لي نحلًا، قال: أَدِّ عُشْرَهَا، قال: فاحم إذًا جبلها، فحماه له» رواه أبو عبيد، وابن ماجه، وروى الأثرم عن ابن أبي ذباب عن أبيه عن جده: أن عمر -رضي الله عنه- «أمره في العسل بالعشر»..المغني (4/ 183 ــــ 186).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وهذا الحديث أخذ به جماعة وردَّه آخرون بعدم ثبوت الخبر فيه، والأصل: براءة الذمة عن الإيجاب. التنوير (7/ 537).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ولا يخلو إخراجها من كونه خيرًا؛ لأنه إن كان واجبًا فقد أدى ما وجب، وأبرأ ذمته، وإن لم يكن واجبًا فهو صدقة، ومن لم يُخرِج فإننا لا نستطيع أن نُؤَثِّمَه، ونقول: إنك تركت ركنًا من أركان الإسلام في هذا النوع من المال؛ لأن هذا يحتاج إلى دليل تطمئن إليه النفس. الشرح الممتع (6/ 86 88).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
ثم اختلف الموجبون هل له نصاب أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يجب في قليله وكثيره، وهذا قول أبي حنيفة.
والثاني: أن له نصابًا معينًا.
ثم اختلف في قدره، فقال أبو يوسف: هو عشرة أرطال، وقال محمد: هو خمسة أفراق، والفرق ستة وثلاثون رطلًا بالعراقي، وقال أحمد: نصابه عشرة أفراق، ثم اختلف أصحابه في الفرق على ثلاثة أقوال:
أحدها: إنه ستون رطلًا.
والثاني: إنه ستة وثلاثون.
والثالث: ستة عشر رطلًا، وهو ظاهر كلام أحمد -والله أعلم-. زاد المعاد (2/ 19).


إبلاغ عن خطأ