«العامِلُ بالحقِّ على الصَّدقةِ، كالغازِي في سبيلِ اللهِ حتَّى يرجِعَ إلى بيتهِ».
رواه أحمد برقم: (17285) واللفظ له، وأبو داود برقم: (2936)، والترمذي برقم: (645)، وابن ماجه برقم: (1809)، من حديث رافع بن خَدِيج -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (4117)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (773).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«العَامِلُ»:
أي: على الصدقة (الزكاة المفروضة) الذي يسعى في استخراجها، ويؤدِّيها إلى الإمام. كشف المشكل، لابن الجوزي (1/ 201).
شرح الحديث
قوله: «العامل بالحق على الصدقة»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«العامل» جمعه: عاملون، «على الصدقة» وهي: الزكاة، وهم السعاة الذين يبعثهم الإمام؛ لأخذها من أربابها، وجمعها ونقلها، ومن يعينهم ممن يسوقها، وكذلك الكاتب والحاسب والكيَّال والوزَّان والعدَّاد. شرح سنن أبي داود (12/ 542).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
والعاملون عليها صنفان:
أحدهما: المقيمون بأخذها وجبايتها.
والثاني: المقيمون بقسمتها وتفريقها من: أمين ومباشر، ومتبوع وتابع. الأحكام السلطانية (ص: 196).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«على الصدقة» أي: الزكاة المفروضة. فيض القدير (4/ 372).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«العامل بالحق على الصدقة» أي: الزكاة يقتضيها على وجهها، ووضعها في محلها. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 368).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «العامل على الصدقة بالحق» يعني: عامل الزكاة إذا لم يظلم أرباب الأموال، ولم يأخذ منهم أكثر مما يجب عليهم، ولم يأخذ أقلَّ مما يجب عليهم، فهو كالغازي في الثواب. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 489).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«بالحق» أي: العامل الذي لم يظلمْ أربابَ الأموال ولا يخون. شرح المصابيح (2/ 410).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«بالحق» متعلق بالعامل، أي: عملًا بالصدق والصواب، أو بالإخلاص والاحتساب. مرقاة المفاتيح (4/ 1273).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
وزاد في رواية لأحمد: «لوجه الله -عزَّ وجلَّ-» وقيل: «العامل بالحق» أي: بأن لم يَخُن في الصدقة، ولم يظلم أرباب الأموال فلم يأخذ منهم أكثر مما يجب عليهم ولا أقلَّ. مرعاة المفاتيح (6/ 43).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«بالحق» أي: مما يلزمه من حقوقها، كحفظ الأموال من الْمُتلفات وضبطها بالكتابة والحساب، وغير ذلك مما يتعلق بمصالحها. شرح سنن أبي داود (12/ 542).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
قوله: «بالحق» أي: عملًا متلبّسًا بأخذ الحق، وترك غيره. فتح الإله (6/207).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
المراد بالحق هو العدل، وهو أنْ لا يأخذ أكثر مما يجب، ولا أقل من الواجب؛ حفظًا للطرفين. الأزهار مخطوط لوح (203).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
(ويشترط) أنْ يكون حرًّا مسلمًا عادلًا عالِمًا بأحكام الزكاة إنْ كان من عمال التفويض، وإنْ كان منفذًا قد عيَّنه الإمام على قدر يأخذه جاز أن لا يكون من أهل العلم بها، ويجوز أن يتقلَّدها من تَحْرُمُ عليه الصدقات من ذي القُربى، ولكن يكون رزقه عن سَهم المصالح. الأحكام السلطانية (ص: 180).
قوله: «كالغازي في سبيل الله»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«كالغازي في سبيل الله» في الثواب. شرح المصابيح (2/ 411).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«كالغازي» أي: أجره كأجر المجاهد «في سبيل الله»؛ لأن العامل يشابه الغازي في احتياج الناس إليه، وفي سَفرهِ ومفارقته وطنه وأقاربه لمنافع المسلمين.شرح سنن أبي داود (12/ 542).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كالغازي في سبيل الله» أي: في تحصيل بيت المال، واستحقاق الثواب في تمشية أمر الدارين. مرقاة المفاتيح (4/ 1273).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«كالغازي في سبيل الله» في الثواب...، أي: لأنه ساعٍ في نفع المسلمين العام، كما أنَّ الغازي كذلك. فتح الإله (6/207).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«كالغازي في سبيل الله -عزَّ وجلَّ-» أي: في حصول الأجر، ويستمر كذلك. فيض القدير (4/ 372).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«كالغازي في سبيل الله -عزَّ وجلَّ-» لأن كل واحد قائم بأمر الله، وشادٌّ لأزْرِ الإِسلام، ونافذ فيما يحبه الله تعالى، فأجرهما سواء. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 368).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
«كالغازي في سبيل الله» أقول: وذلك إذا كان بالحق، فإنه يقبض ما أمره فيؤجر، ويُخلِّص صاحب المال من شر ماله فيؤجر، ويعطيه الإمام أو المصارف فيؤجر، ويأخذ أجرة لنفسه حلالًا جعلها الله في كتابه. التحبير لإيضاح معاني التيسير (4/ 540).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
«كالغازي في سبيل الله» هذا إذا لم يُعَيِّنْ لنفسه في ذلك أجرًا، ووجه شبهه بالغازي غير خفي، وهو ما تجرحه الألسنة بأسهم الملامات، وما يلزم في ذلك من إعلاء كلماته العليا. الكوكب الدري على جامع الترمذي (2/ 19-20).
قوله: «حتى يرجع إلى بيته»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«حتى يرجع» أي: العامل «إلى بيته». مرقاة المفاتيح (4/ 1273).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
وقيد بـ«حتى يرجع» إشارة إلى أنَّه كالغازي السليم، دون الغازي الشهيد؛ لأن الشهادة لا يعدلها شيء. فتح الإله (6/207).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«حتى يرجع» أي: العامل «إلى بيته» أي: محل إقامته، يعني: يكون له الثواب ذهابًا وإيابًا إلى حين الرجوع، كما ثبت في الغازي. مرعاة المفاتيح (6/ 43).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«حتى يرجع إلى بيته» أي: يعود من عمله ذلك إلى محل إقامته. فيض القدير (4/ 372).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «حتى يرجع إلى بيته» أي: يكون له ثواب ذهابًا وإيابًا إلى حين الرجوع، كما ثبت في الغازي والحاج. لمعات التنقيح (4/ 250-251).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«حتى يرجع إلى بيته» لأن نومه ونَبْهَهُ في هذا عبادة. بذل المجهود في حل سنن أبي داود (10/ 116).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«حتى يرجع» العامل «إلى بيته» أي: يعود من عمله.
ويحتمل: حتى يرجع المغازي، أي: يثيب له مثل أجره حتى يعود إلى وطنه. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 368).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «حتى يرجع» إذا جُعِلَ غاية للمشبه لم يفد فائدة ما؛ لأن وجه التشبيه هو سعي الساعي والغازي في تحصيل بيت المال للمسلمين. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1482).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
«العامل على الصدقة كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته»...، وذلك أن الله ذو الفضل العظيم، قال: «من جهَّز غازيًا فقد غزا، ومن خَلَفَهُ في أهله بخير فقد غزا»، والعامل على الصدقة خليفة الغازي؛ لأنه يجمع مال سبيل الله، فهو غاز بعمله، وهو غاز بنيته، وقد قال -عليه السلام-: «إن بالمدينة قومًا ما سلكتم واديًا ولا قطعتم شِعْبًا إلا وهم معكم حبسهم العذر»؛ فكيف بمن حبسه العمل للغازي وخلافته، وجميع ماله الذي ينفقه في سبيل الله، وكما لا بد من الغزو فلا بد من جمع المال الذي يُغزى به، فهما شريكان في النية، شريكان في العمل، فوجب أن يشتركا في الأجر. عارضة الأحوذي (3/ 145).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
وقيل: في الحديث إلحاق الناقص بالكامل ترغيبًا -والله تعالى أعلم-. مرعاة المفاتيح (6/ 43).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وفيه: أنَّ الساعي كالغازي الغانم، وليس كالغازي الشهيد. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1482).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: الترغيب في فعلها (أي: جمع الصدقة) وإظهار فضيلتها؛ لئلا يتخوَّف من مباشرتها لما فيها من الأمانة التي هي محل الخوف من التقصير في حفظها. شرح سنن أبي داود (12/ 543).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: دليل على أنَّ الساعي العدل مأجور ومثاب في الرجوع والذهاب كالغازي؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «كغدوة».
فيه: دلالة على ضعف قول من قال: لا يُثاب الراجع عن العبادة، وقد مرَّ مشروحًا في العيدين. الأزهار مخطوط لوح (203).