«قلتُ: يا نبيَّ اللهِ، علِّمْنِي شيئًا أنتفعُ به، قال: اعْزِلِ الأذى عن طريقِ المسلمينَ».
رواه مسلم برقم: (2618)، من حديث أبي بَرْزَةَ -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«اعْزِلِ»:
مِن العَزْل: وهو التَّنْحِية. التنوير، للصنعاني (2/ 475).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
يُقال: عَزَلْتُ الشَّيءَ عن غيرِهِ عَزْلًا مِن بابِ ضَرَبَ: نَحَّيْتُهُ عنه... المصباح المنير(2/ 407).
«الأَذَى»:
هو ما يُؤذِي، كالشوك والحجر والنجاسة، ونحوها. النهاية، لابن الأثير (1/ 34).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
يُقال: أَذِيَ الشَّيْءُ أَذًى، مِنْ بَابِ تَعِبَ، بِمَعْنَى: قَذِرَ. المصباح المنير(1/ 10).
شرح الحديث
قوله: «قلتُ: يا نبيَّ اللهِ علِّمْنِي شيئًا أنتفعُ به»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «علمني شيئًا» وفي رواية ابن ماجه: «دلني على عمل». مرعاة المفاتيح (6/ 340).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
الأمر في قوله: «علمني» أمر التماس. الأزهار مخطوط لوح (211).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «أنتفعْ به» رُوي مجزومًا جوابًا للأمر، ومرفوعًا صفة لـ«شيئًا». الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1550).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أنتفعْ به»...، أي: أنتفع بعمله. مرقاة المفاتيح (4/ 1340).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«به» في الآخرة، إذا أنا فعلتُهُ. فتح الإله (6/374).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
أي: أَعمله مِن بعدك، فينفعني عند الله. وفي رواية (مسلم) : «إني لا أدري، لعلّك أن تمضي وأبقى بعدك، فزوّدني شيئًا ينفعني الله به».
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: كيف خصَّ الجواب بأدنى شُعب الإيمان دون أعلاها وأوسطها؟! قلتُ: إنَّ أبا برزة كان من أكابر الصحابة، وكان مُتحلِّيًا بالشُّعب، وأهمها بالنسبة إليه هذه، أو ذَكَرَ أدناها؛ ليدل على إرادة الأعلى بالطريق الأولى. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1550).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قيل: هو من كبار الصحابة فنبَّه بأدنى شعب الإيمان على أعلاها، أي: لا تترك بابًا من الخير.
قلتُ: هو في المعنى كحديث: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، وكحديث: «لا يُؤمِن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». مرقاة المفاتيح (4/ 1340).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
ذَكَرَ له هذه الخصلة التي هي أدنى شُعب الإيمان، إما إشارة إلى السهولة واليسر، وأنه يكتفي من الخير بأدنى مراتبه، وإما تنبيهًا بها على الأمر بما فوقها من بقية الشُّعب بالأولى، وإما لأنَّ نفس أبي برزة كانت متحلية بأفضلها فَنَبَّهَ على أدناها، إشارة إلى أنَّه ينبغي للكامل ألا يحقر عملًا وإن قلَّ، فإنَّه قد يكون فيه من كسر النفس، والرقي إلى معالي القُرَب ما ليس في غيره. فتح الإله (6/374).
قوله: «قال: «اعْزِلِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«اعْزِلِ» بوصل الهمزة. البحر المحيط الثجاج (41/ 108).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«اِعْزِل» بكسر الهمزة، والزاي المعجمة، بينهما عين مهملة ساكنة، أي: أبعد ونَحِّ. مرعاة المفاتيح (6/ 340).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«اعزل»... أمر من (عزل)، وفي رواية لمسلم: «أَخِّرْ». فيض القدير (1/ 560).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
قوله: «اعزل» يعني: أبعد عنهم ما يُؤذيهم من حجر وشجر وغيرهما، أو معناه: لا تفعل في طريقهم ما يؤذيهم من التخلي وإلقاء الْجِيَفِ، وغيرهما، والمعنى الأول أظهر. مبارق الأزهار (3/163).
وقال المناوي -رحمه الله-:
والأمر للندب، وقد يجب. فيض القدير (1/ 560).
قوله: «الأذى»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«الأذَى» بفتحتين: القَذَر. البحر المحيط الثجاج (41/ 108).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «الأذى» بالمعجمة...، ما يؤذيهم كشوك وحجر، فإنَّ تنحية ذلك من شعب الإيمان، كما في عدة أخبار صحاح وحسان...، ونبَّه بذلك على طلب إزالة كل مؤذٍ من إنسانٍ أو حيوانٍ. فيض القدير (1/ 560).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
كالشوكة والعظم والقَذَر، وقيل: المراد: أذى النفس عن نفسه، أو عن الناس. مرقاة المفاتيح (4/ 1337).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «الأذى»...، كل ما يتأذَّى به المارُّ، من شجرٍ، أو غصن شوك، أو حجر أو قذر أو وهد أو هضب، أو جيفة أو قمامة، أو نحو ذلك. منة المنعم (4/ 201).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
ولذا قيل: أي: أذى نفسك، أو الأذى هو هوى النفس، فإنها معدنه ومنبعه. مرقاة المفاتيح (4/ 1340).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قلتُ: وهو أدنى شُعب الإيمان، كما في حديث أبي هريرة عند مسلم وغيره. التنوير (2/ 475).
قوله: «عن طريقِ المسلمينَ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«عن طريقِ المسلمين» مُتعلِّق بـ«اعزل». البحر المحيط الثجاج (41/ 108).
وقال المناوي -رحمه الله-:
يظهر أنَّ المراد: الطريق المسلوك لا المهجور، وإنْ مر فيه على ندور، وخرج بطريق المسلمين طريق أهل الحرب ونحوهم، فلا يندب عزل الأذى عنها، بل يندب وضعه فيها، ويظهر أنَّه يلحق بهم طريق القُطَّاع وإنْ كانوا مسلمين، حيث اختصت بهم، وقد يشمل الأذى قطاع الطريق والظلمة، لكن ذلك ليس إلا للإمام والحكام. فيض القدير (1/ 560).
وقال محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
هكذا (قال)، والذي يظهر لي أنَّ الطريق عامٌّ، يشمل المسلوك كثيرًا، وغيره، فلا وجه لتقييده بالمسلوك فقط، فتنبَّه -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (41/ 109).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«عن طريق المسلمين» خرج على الغالب، وإلا فهو يعُم غيرهم، والأمر هنا للندب. التنوير (2/ 475).
وقال المناوي -رحمه الله-:
فيه: تنبيهٌ على فضل فعل ما ينفع المسلمين، أو يزيل ضررهم، وإنْ كان يسيرًا حقيرًا. فيض القدير (1/ 560).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
فيه: إيماء إلى أنَّ الاحتماء أولى من استعمال الدواء، والتخلية مقدمة على التحلية، بل مقدمة للتحلية. مرقاة المفاتيح (4/ 1340).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ذكر مسلم الأحاديث في الثواب على إماطة الأذى، وإزالته عن الطريق، كمن قطع شجرة كانت تؤذي، وإزالة غصن شوك، وقد جاء في الحديث الآخر: أنه من شعب الإيمان، فكل ما أدخل نفعًا على المسلمين، أو أزال عنهم ضررًا، فهو منه، لكنه كله من النصيحة الواجبة على المسلمين بعضهم لبعض، التي بايع عليها النبي -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- أصحابه من النصح لكل مسلم، بنصحه في حضرته وغيبته بكل قولٍ وفعلٍ يعود عليه بمنفعة لدينه ودنياه. إكمال المعلم (8/ 97).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فيه: ما يدل على الترغيب في إزالة الأذى والضرر عن المسلمين، وعلى إرادة الخير لهم، وهذا مقتضى الدِّين والنصيحة والمحبة. المفهم (6/ 604).