الجمعة 17 رمضان 1447 | 2026-03-06

A a

«‌ليس ‌المسكين ‌الذي ‌يطوف ‌على ‌الناس، ‌تَرُدُّهُ ‌اللُّقمةُ ‌واللُّقمتانِ، ‌والتَّمرة ‌والتَّمرتان، ‌ولكن ‌المسكين: ‌الذي ‌لا ‌يجد ‌غِنى ‌يُغنيه، ‌ولا ‌يُفطَن ‌به ‌فيُتصدَّق ‌عليه، ‌ولا ‌يقوم ‌فيسأل ‌الناس».


رواه البخاري برقم: (1479) واللفظ له، ومسلم برقم: (1039)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«المسكين»:
المسكين: اسم مأخوذ من المسكنة، والمسكنة: مَفْعَلَةٌ من السكون، كأنَّ الحاجة أسكنته، ومنعته التصرُّف. كشف المشكل، لابن الجوزي (3/ 403).
وقال الجوهري -رحمه الله-:
المسكين: الفقير، وقد يكون بمعنى الذلِّة والضَّعف..، وكان يونسُ (بن حبيب) يقول: المسكين أشدُّ حالًا من الفقير، قال: وقلتُ لأعرابيّ: أفقيرٌ أنتَ؟ فقال: لا والله، بل مِسْكينٌ. الصحاح(5/ 2137).

«اللُقْمَة»:
بضم اللام: اسم ما يُلْقَم في الفم، كالأكلة لفظًا ومعنى. الكوثر الجاري، للكوراني (3/ 477).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
اللقمة من الخبز: اسم لما يُلْقَم في مرة، كالجرعة: اسم لما يجرع في مرة، ولقمتُ الشيء لَقْمًا، من باب: تعب، والتقمته: أكلته بسرعة. المصباح المنير (2/ 557).

«لا يُفْطَن»:
بضم الياء، وفتح الطاء، أي: لا يُعلَم بحاله. إرشاد الساري، للقسطلاني (3/ 67)


شرح الحديث


قوله: «ليس المسكين الذي يطوف على الناس»:
قال الملا علي قاري -رحمه الله-:
«ليس المسكين» أي: المذكور في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} التوبة: 60، والمعنى: ليس المسكين شرعًا المسكين عُرْفًا. مرقاة المفاتيح (4/ 1304).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«ليس المسكين الذي ترُدُّهُ التمرة التمرتان» يعني: المسكين ليس الشَّحَاذ الذي يَشْحَذ الناس. شرح رياض الصالحين (3/ 97).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
أي: الأحق باسم المسكين هذا الذي لا يجد غِنى، ولا يتصدق عليه، وهذا كقوله: «ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، ومثل هذا كثير. المفهم (3/ 84).
وقال الباجي -رحمه الله-:
«ليس المسكين ...» لم يرد نفي هذا عنه، وإنما أراد: أن غيره أَشد حالًا منه، و«الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه». المنتقى شرح الموطأ (7/ 234).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «ليس المسكين» يعني: الكامل في المسكنة...، وفيه: أنَّ التَّعفُّف عن السؤال شرط في المسكنة، وبه قال الشافعي في القديم، وقال في الجديد وهو الأصح: إنَّه ليس بشرط؛ لقوله: «ردوا المساكين والمسكين ولو بظلف مُحرَّق»، ولقوله: «للسائل حق وإن جاء على ظهر فرس»، والمراد بترك السؤال: الكمال في المسكنة. الأزهار، مخطوط، لوح (207).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
ليس المقصود من هذا (يعني: من الحديث) نفي المسكنة عن المسكين الذي يسأل الناس؛ لأن كلًّا منهما مسكين، ولكن المقصود: بيان صفة المسكين الأعظم، والمسكين الذي هو أهم وأشد، فليس عنده شيء ولا يسأل، وأما المسكين الذي يسأل فإنه يُعطى فيأكل ويستفيد.
إذًا: فليس المقصود من نفي المسكنة هنا: نفيها على الحقيقة في المسكين الذي يسأل، لكنه وإن كان مسكينًا إلا أنه دون من لا يسأل؛ ولهذا نظائر وأمثلة؛ منها: قوله: «ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»؛ فالصُّرَعَة هو الذي يصرع الرجال، وليس هو شديدًا على الحقيقة، وإنما الشديد حقيقة هو الذي يملك نفسه عند الغضب، وإن كان الذي يصرع الرجال هو شديدًا، ولكنه ليس بشديد حقيقة.
وكذلك الحديث الذي قال -صلى الله عليه وسلم-: «أتدرون من الْمُفلس؟ قالوا: الْمُفلس ما لا درهم عنده ولا متاع، قال: الْمُفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام وحج»؛ فالذي ذكروه مُفلس، ولكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أراد مُفلس الآخرة، وهم فهموا أن المقصود: مُفلس الدنيا، فهذا مُفلس وهذا مُفلس، ولكن الْمُفلس على الحقيقة هو مُفلس الآخرة، فهذه الأمثلة تشبه ما جاء في هذا الحديث. شرح سنن أبي داود (198/ 15).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قوله: «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان» يريد: ليس المسكين المتكامل أسباب المسكنة؛ لأنه بمسألته يأتيه الكفاف والزيادة عليه، فيزول عنه اسم المبالغة في المسكنة، وإنما المسكين المتكامل أسباب المسكنة من لا يجد غنى ولا يتصدق عليه، كقوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} البقرة: 177، أي: ليس ذلك غاية البر؛ لأنه لا يبلغ بر من آمن بالله واليوم الآخر، الآية. شرح صحيح البخاري (3/ 516-516).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«الذي يطوف» أي: يدور. دليل الفالحين (3/ 83).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«الذي يطوف» أي: يدور ويتردَّد «على الناس» ليسألهم صدقة عليه. مرعاة المفاتيح (6/ 224).
وقال محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«الذي يطوف على الناس» أي: لسؤالهم. البحر المحيط الثجاج (19/ 619).

قوله: «تردهُ اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
وجعل «تردُّهُ» حالًا من الضمير في «يطوف» فيفيد الانحصار، ورد على من زعم خلاف ذلك، أي: ليس المسكين المتعارف شرعًا من هو متعارف عندكم؛ لأنه ذو كفاية تأتيه الزيادة عليها. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1505).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
جملة «وترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان» في محل نصب على الحال، أي: ليس هو منحصرًا في ذلك، كما أفاده الموصول والحال المفيدة للصلة، أو الجملة مستأنفة لبيان حاله. دليل الفالحين (3/ 83).
وقال السندي -رحمه الله-:
«ترده اللقمة» أي: يَرِدُ على الأبواب لأجل اللقمة، أو أنه إذا أخذ لقمة رجع إلى باب آخر، فكأن اللقمة ردَّتْه من باب إلى باب، والمراد: ليس المسكين المعدود في مصارف الزكاة هذا المسكين، بل هذا داخل في الفقير، وإنما المسكين المستور الحال الذي لا يعرفه أحد إلا بالتفتيش، وبه يتبين الفرق بين الفقير والمسكين في المصارف. حاشيته على سنن النسائي (5/ 85).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «ترده اللقمة واللقمتان» يعني: ليس المسكين من يتردد على الأبواب، ويأخذ لقمة، فإن من فعل هذا ليس بمسكين؛ لأنه يقدر على تحصيل قُوْتِه، وليس المراد من هذا أن من فعل هذا لا يستحق الزكاة بل يستحقها، ولكن المراد: ذمُّ من هذا فعله إذا لم يكن مضطرًّا، وإظهار فضل مسكين لم يسأل الناس على من يسألهم. المفاتيح (2/ 509).
وقال الطيبي -رحمه الله- متعقبًا:
أقول: فعلى هذا لا وجه لإيراد هذا الحديث في باب: من لا تحل له الصدقة؛ لأنه حينئذٍ نفي حقيقة شيء لم يوجد فيه ما هو لأجله، وإثبات ما يخالفها نحو هذا ليس بإنسان، بل هو حيوان لمن لم يوجد فيه الإنسانية، فتقوَّى به مذهب أبي حنيفة؛ لأن المسكين عنده من لا شيء له. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1504).

قوله: «ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يُغْنِيه»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«ولكن المسكين» بتخفيف نون «ولكن» مرفوع، وبتشديدها؛ فهو (يعني: كلمة «المسكين») منصوب. منحة الباري (3/ 567).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ولكن» لاستدراك ثبوت ما تُوُهِّم نفيُهُ من سابقه؛ إذ المعهود في المسكين عند الناس هو الطواف، وقد نفى عنه المسكنة، فربما يتوهم نفيه مطلقًا، فرفع ذلك بقوله: «ولكن المسكين الذي لا يجد غنى». دليل الفالحين(4/ 520).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ولكن المسكين» في الحقيقة «الذي لا يجد غنًى» بكسر المعجمة والقصر: يسارًا. التنوير (9/ 233).
وقال العراقي -رحمه الله-:
الغِنَى بكسر الغين مقصور: اليسار، وقوله: «يغنيه» صفة له، وهو قدر زائد على اليسار؛ إذ لا يلزم من حصول اليسار للمرء أن يغنى به، بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر، واللفظ محتمل لأن يكون المراد: نفي أصل اليسار؛ ولأن يكون المراد: نفي اليسار المقيد بأنه يغنيه مع وجود أصل اليسار، وهذا كقوله تعالى: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} البقرة: 273. طرح التثريب (4/ 33).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«الذي لا يجد غِنى يُغْنِيه» أي: شيئًا يقع موقعًا من حاجته. إرشاد الساري (3/ 67).

قوله: «ولا يُفْطَن به، فيُتَصدَّق عليه»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«ولا يُفطن له» بالبناء للمجهول، لا يفطن له أحدٌ ليحمله، وعدم شكواه «فيتصدق عليه». التنوير (9/ 233).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «ولا يُفطن له» أي: ولا يعلم حاله أنه محتاج حتى يتصدق عليه الناس، بل يخفي حال نفسه. المفاتيح (2/ 509).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ولا يُفْطَن له» لتصَبُّرِهِ، وكتم حاله، وما هو فيه. دليل الفالحين (4/ 521).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فيتصدق عليه» بالنصب بالفاء؛ لوقوعها بعد نفي. التنوير (9/ 233).
قوله: «ولا يقوم فيسأل الناس»:
قال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «فيسأل الناس» منصوبان في جواب النفي، وهذا واضح. طرح التثريب (4/ 34).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«ولا يقوم فيسأل الناس» برفع المضارع الواقع بعد الفاء في الموضعين (يعني: «فيتصدق»، و«فيسأل») عطفًا على المنفي المرفوع، فينسحب النفي عليه، أي: لا يفطن له فلا يتصدق عليه، ولا يقوم فلا يسأل الناس.
وبالنصب فيهما بأن مضمرة وجوبًا؛ لوقوعه في جواب النفي بعد الفاء. إرشاد الساري (3/ 67).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ولا يقوم في الناس فيسأل الناس» أي: فهذا هو الكامل المسكنة الممدوحة. دليل الفالحين (4/ 520).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ولا يقوم فيسأل الناس» فهذا يجب على من يعرفه التصدق عليه، وهو المحروم لحرمان الناس له، والحديث إعلام أن غير السائل الطواف قد يكون أحق بالصدقة؛ لكمال صفة المسكنة فيه. التنوير (9/ 233).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلف أهل اللغة والفقهاء في الفقير والمسكين، من هو أسوأ حالًا منهما؟
فقال ابن السكيت وابن قتيبة: المسكين أسوأ حالًا من الفقير؛ لأن المسكين الذي قد سكن وخشع، والفقير له بعض ما يُغنيه، واحتجوا بقول الشاعر:
أما الفقير الذي كانت حلوبته *** وفق العيال فلم يُترَك له سَبَدُ
فذكر أنه كانت له حلوبة، وجعلها وفقًا لعياله، أي: قدر قوتهم، وحكى ابن القصار: أن هذا قول أصحاب مالك، وقول أبي حنيفة.
وقال طائفة: الفقير أسوأ حالًا من المسكين، هذا قول الأصمعي وابن الأنباري، وهو قول الشافعي، واحتجوا بقوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ} البقرة: 273 الآية، وبقوله: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} الكهف: 79، فأخبر أن المسكين يملك بعض السفينة، قالوا: والفقر هو استئصال الشيء، يقال: فقرتهم الفاقرة، إذا أصابتهم داهية أهلكتهم، والفقير عند العرب الذي قد انكسر فقار ظهره، ومن صار هكذا فقد حلَّ به الموت، وقد يقال: مسكين لغير الفقير، ولكن لما نقصت حالته عن الكمال في بعض الأمور كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «مسكين مسكين من لا زوجة له»، وقال لقيلة: «يا مسكينة عليك بالسكينة» قالوا: وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين»، وتعوذ بالله من الفقر، فعلم أنه أسوأ حالًا وأشد من المسكنة.
وقد قالت طائفة من السلف: الفقير الذي لا يسأل، والمسكين الذي يسأل، روي هذا عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة، وجابر بن زيد والزهري، وروي عن علي بن زياد عن مالك أنه قال: الفقير الذي لا غنى له، ويتعفف عن المسألة، والمسكين الذي لا غنى له ويسأل. شرح صحيح البخاري (3/ 517-518).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
قلتُ: ظاهر اللفظ يدل على أن المسكين غير الفقير، وأنهما صنفان، إلا أن أحد الصنفين أشد حاجة من الآخر، فمن هذا الوجه يقرب قول من جعلهما صنفًا واحدًا -والله أعلم-.
ولا حجة في قول من احتج بقوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} الكهف: 79؛ لأنه يحتمل أن تكون مستأجرة لهم، كما يقال: هذه دار فلان إذا كان ساكنها، وإن كانت لغيره...
وأما ما تأولوه من قوله -عليه السلام-: «اللهم أحيني مسكينًا» الحديث، رواه أنس، فليس كذلك، وإنما المعنى ها هنا: التواضع لله الذي لا جبروت فيه ولا نخوة، ولا كبر ولا بطر، ولا تكبر ولا أشر...، وما ذهب إليه أصحاب مالك والشافعي في أنهما سواء: حسن.
(و) فائدة الخلاف في الفقراء والمساكين، هل هما صنف واحد أو أكثر: تظهر فيمن أوصى بثلث ماله لفلان وللفقراء والمساكين، فمن قال: هما صنف واحد قال: يكون لفلان نصف الثلث، وللفقراء والمساكين نصف الثلث الثاني، ومن قال: هما صنفان يقسم الثلث بينهم أثلاثًا. الجامع لأحكام القرآن (8/ 170-171).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قد تحرَّر مما تقدم أن قول الجمهور، ومنهم الشافعي -رحمه الله-: إن الفقير أسوأ حالًا من المسكين هو الأرجح؛ لآية: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} الكهف: 79 الآية، ولحديث الباب، حيث وصفه بقوله: «الذي لا يجد غنى يغنيه»؛ فإنه دال على أن له شيئًا من المال، لكنه لا يكفيه، ولآية الصدقة، حيث رتبت المستحقين لها بالترقي من الأدنى إلى الأعلى -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (19/ 628).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
الفقير والمسكين اسمان مشتركان في وجه مفترقان في آخر، فقد يكون الفقير مسكينًا، وقد يكون المسكين فقيرًا، وقد جمع الله بينهما في الصدقة، واشتغل الناس لقلة تحقيقهم بأنْ يطلبوا الفرق بين المسكين والفقير، وليس المقصود هذا حتى تَفْنَى فيه الأعمار، وتُسَوَّد الأوراق، وإنما المقصود: أن الناس المحتاجين قسمان: قسم لا شيء لهم، وقسم آخر له شيء يسير، فأعطهما جميعًا من الصدقة، وسمهما كيف شئت، وإنما يفترقان بحالهما لا بأسمائهما، فافهم، ولا تُضَيِّع زمانك في هذه المعاني، مثل الكلام في الفقر والغنى، وأيهما أفضل كذا وكذا، فإن التحقيق فيه قليل، والكلام فيه عَنَاء إذا كان من غير تحصيل. المسالك (7/ 339-340).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قد يُستدل بقوله: «ولا يقوم فيسأل الناس» على أحد محملي قوله تعالى: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} البقرة: 273 أن معناه: نفي السؤال أصلًا، وقد يقال: لفظة: «يقوم» تدل على التأكيد في السؤال، فليس فيه نفي أصل السؤال، والتأكيد في السؤال هو الإلحاف. طرح التثريب (4/ 34).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
دل على أنه أراد: ليس الطوَّاف بالمسكين حقًّا إنما المسكين حقًّا المسكين الذي تبلغ به المسكنة والفقر والضعف والحياء مبلغًا يقعده عن التطواف والسؤال، ولا يفطن له متصدق عليه، ولا يجد شيئًا يبلغ به، كما قال الله -عزَّ وجلَّ-: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} البقرة: 177، أي: ليس فعل ذلك، وإن كان برًّا يبلغ به الأمر {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} البقرة 177. الاستذكار (8/ 344).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وفي الحديث: دليل على أن المسكين في الظاهر عندهم والمتعارف لديهم هو السائل الطوَّاف، وإنما نفى -صلى الله عليه وسلم- عنه اسم المسكنة؛ لأنه بمسألته تأتيه الكفاية، وقد تأتيه الزيادة عليها فتزول حاجته، وسقط عنه اسم المسكنة، وإنما تدوم الحاجة والمسكنة ممن لا يسأل، ولا يُفطن له، فيُعطى.معالم السنن(2/ 61).
وقال الخطابي -رحمه الله- أيضًا:
معنى هذا الكلام: الحضُّ على الصدقة، وحسن الارتياد لموضعها، وأن يتحرَّى وضعها فيمن هذا صفته من أهل التَّعفُّف دون الْمُلْحِفين الْمُلِحِّين في المسألة.أعلام الحديث (2/ 804).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فيه: أنَّ الصدقة على المتعفِّف أفضل منها على السائل الطوَّاف، وهو كذلك. طرح التثريب (4/ 34).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفيه: الحضِّ على ارتياد الأولى بالصدقات والأحوج. إكمال المعلم (3/ 572).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: إيقاظ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المؤمن لأن يشتد بتفقده لأشد المسكنة فيكون نظره إلى من قلَّتْ عنه الحيلة في تصرفه ولم يظهر، ولا يُفْطن له، ولا فيه قِحَة (وقاحة أو قِلة حياء) فيستهين بالسؤال، ولا عنده غنى فيمكنه التماسك، فقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس المسكين» بالألف واللام الذي هو على الحقيقة المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان، وإنما المسكين على الحقيقة الذي هذه حاله...، ففقه الحديث: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد حث على شدة التفقد؛ ليكون البر واصلًا إلى الأَحْوَج فالأَحْوَج. الإفصاح (6/ 252).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث نكتة بديعة، وهو أنه (يعني: عدم السؤال) محمود في الجملة، كالصمت محمود في الجملة؛ لكثرة آفات الحركة، وكثرة آفات الكلام، وقد يكون الشيء ممدوحًا بذاته وصفاته، وقد يكون ممدوحًا لقلة آفاته، وتركك الشر للناس صدقة، لا سيما وقد قال علماؤنا: إن أول ما خلق الله السكون، والحركة بعده ثانيًا، ويستحيل عقلًا أن تسبقه الحركة، فصار السكون ممدوحًا بأصل الخلقة.
وبيَّن (يعني: الحديث) أيضًا ندب الصدقة عليه، والتخضيض في الجزاء عليه، فقال: «ردوا السائل ولو بظلف مُحَرَّق»، وليس هو بِمَثل، وإنما هو حقيقة، فإنه إنما خاطب به قومًا كانوا يأكلون الجلود ويمصون النوى، وإذا وجدوا ظلفًا محرقًا كان غاية لهم في اللذة. المسالك (7/ 339).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
وفيه: أنَّ المسكنة إنما تكمل مع العفة عن السؤال، والصبر على الحاجة، واستحباب الحياء في كل الأحوال. اللامع الصبيح (5/ 449).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وفي الحديث: دليل على أن المسكين هو الجامع بين عدم الغِنى وعدم تفطن الناس له ما يظن به لأجل تعفُّفِهِ وتظهُّرِه بصورة الغني من عدم الحاجة، ومع هذا فهو المستعفف عن السؤال. نيل الأوطار (4/ 188).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
دل الحديث على استحباب الحياء، ومدح المحتاج الذي يترك السؤال حياء، وعلى الترغيب في إعطائه الصدقة، وتقديمه على الْمُلِح. المنهل العذب المورود (9/ 261).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
وفيه: إيذانٌ بأنَّه لا يُكره بذل لقمة أو لقمتين، وإنْ استقلها المسكين، وتأذى بها السائل. الأزهار، مخطوط، لوح (207).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:
منها: بيان معنى المسكين الذي ذَكره الله -عزَّ وجلَّ- بقوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} الآية التوبة: 60.
ومنها: أن المسكنة إنما تحمد مع العفة عن السؤال، والصبر على الحاجة.
ومنها: استحباب الحياء في كل الأحوال.
ومنها: أن فيه دليلًا لمن يقول: إن الفقير أسوأ حالًا من المسكين، وأن المسكين الذي له شيء، لكنه لا يكفيه، بخلاف الفقير فإنه الذي لا شيء له...
ومنها: حسن الإرشاد لوضع الصدقة، وأن يتحرى وضعها فيمن صفته التعفف، دون الإلحاح. البحر المحيط الثجاج (19/ 622).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي:
أولًا: تحديد معنى الفقير الذي تحل له الزكاة بأنه هو الذي لا يجد غِنى يغنيه، أي: الذي لا يجد الكفاية من المال لنفقته ونفقة عياله، ...
ثانيًا: الثناء على الفقير المتعفف، وكونه أحق بالصدقة من المتسول. منار القاري (3/ 50)


إبلاغ عن خطأ