«شهدتُ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بغير أذان ولا إقامة، ثم قام مُتَوكِّئًا على بلال، فأمر بتقوى الله، وحثَّ على طاعته، ووعظ الناس وذكَّرهم، ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهنَّ وذكَّرهنَّ، فقال: تَصَدَّقْنَ، فإن أكثركنَّ حَطَبُ جهنم، فقامت امرأة من سِطَةِ النساء سَفْعَاء الخَدَّين، فقالت: لمَ يا رسول الله؟ قال: لأنَكُنَّ تُكْثِرن الشَّكَاةَ، وتَكْفُرن العَشِير، قال: فجَعَلْنَ يتصدَّقن مِن حُلِيِّهن، يُلْقِيْنَ في ثوبِ بلالٍ مِن أَقْرِطَتِهِنَّ وخَوَاتِمِهِنَّ».
رواه البخاري برقم: (961)، ومسلم برقم: (885) واللفظ له، من حديث جابر -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«سِطَةِ»:
أي: من أَوْسَاطُهن حسبًا ونسبًا، وأصل الكلمة الواو وهو بابها، والهاء فيها عوض من الواو، كعِدَة وزِنَة، من الوعد والوزن. النهاية، لابن الأثير (2/ 366).
«سَفْعَاء»:
السُّعْفَةُ: وزان غُرفَة: سواد مُشَرَّب بحُمرة، وسَفَع الشيء من باب تَعِبَ إذا كان لونه كذلك، فالذكر أَسْفَع، والأنثى سَفْعَاء. المصباح المنير، للفيومي (1/ 279).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
قوله: « سفعاء الخدين» الأَسْفَع والسَّفُعَاء: مَن أصاب خدَّه لونٌ يُخالف لونه الأصلي، مِن سواد أو خضرة أو غيرهما. إحكام الأحكام (1/ 346).
«الشَّكاة»:
شَكَاه: من باب عَدَا، وشِكَاية بالكسر، وشَكِيَّة، وشَكَاة بالفتح، أي: أخبر عنه بسوءِ فعله. مختار الصحاح، للرازي (ص: 168).
«وتَكْفُرن»:
أي: تجحدن نعمة الزوج، وتَسْتَقْلِلنَ ما كان منه. مجمع بحار الأنوار، للفتني (3/ 597).
«العَشِير»:
أي: الزوج، والعَشِيْر المعاشِر؛ لأنها تُعاشره ويُعَاشِرها، من العِشْرَة: الصحبة. مجمع بحار الأنوار، للفتني (3/ 597).
«أَقْرِطَتِهِنَّ»:
القُرْطُ: الذي يَعْلَّق في شحمة الأذن، والجمعُ قِرَطَة، بوزن عِنَبَة. مختار الصحاح، للرازي(ص: 251).
قال الفتني -رحمه الله-:
هو كل ما عُلِّق من شحمة الأذن مِن ذهب أو خَرَزٍ. مجمع بحار الأنوار (4/ 251).
شرح الحديث
قوله: «شهدتُ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصلاة يوم العيد»:
قال الفاكهاني -رحمه الله-:
قوله: «شهدتُ» معناه: حضرتُ، والمفعول محذوف، أي: شهدتُ الصلاة يوم العيد، فـ«يوم»: ظرف، لا مفعول به. رياض الأفهام (3/ 56).
وقال الشيخ النجمي -رحمه الله-:
والمراد بالشهود الحضور، والعيد عيد الفطر. تأسيس الأحكام (3/ 44).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
ويستنبط من ذلك: شهود صلاة العيد مع الإِمام. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (4/ 223).
وقال النووي -رحمه الله-:
وسمي عيدًا لِعَوْدِهِ وتَكَرُّرِهِ، وقيل: لِعَوْدِ السرور فيه، وقيل: تفاؤلًا بِعَوْدِهِ على من أدركه، كما سُميت القَافِلَة حين خروجها؛ تفاؤلًا لقُفُوْلِها سالمة، وهو رجوعها، وحقيقتها الراجعة. شرح صحيح مسلم (6/ 171).
قوله: «فبدأ بالصلاة قبل الخطبة»:
قال الفاكهاني -رحمه الله-:
قوله: «فبدأ»: هو بالهمز؛ لأنه بمعنى: ابتدأ. رياض الأفهام (3/ 56).
وقال الشيخ النجمي -رحمه الله-:
قوله: «فبدأ» من البداءة، وهو الابتداء في الشيء وتقديمه على غيره. تأسيس الأحكام (3/ 44).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فبدأ» رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «بالصلاة» أي: بصلاة العيد «قبل» الشروع في «الخطبة». الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (10/ 392).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
وأما بَدَا بمعنى: ظهر، فغير مهموز، ولا يناسب هنا. البحر المحيط الثجاج (17/ 435).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
«الخُطبة» هنا: بالضم، وأما خَطبتُ المرأة خِطْبةً، فبالكسر. رياض الأفهام (3/ 56).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
ويستنبط من هذا: البدء بالصلاة قبل الخطبة...، فلو خَطَبَ قبل الصلاة أساء، وفي احتسابها احتمال لإِمام الحرمين. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (4/ 223).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وأما الصلاة قبل الخطبة فهو إجماع من العلماء قديمًا وحديثًا، إلا ما كان من بني أمية من تقديم الخطبة...، وروي عن ابن الزبير مثله. شرح صحيح البخاري (2/ 556).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
هذا هو المتفق عليه من مذاهب علماء الأمصار، وفقهاء الفتوى، ولا خلاف بين أئمتهم فيه، وهو فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في الآثار الصحيحة، والخلفاء الراشدين بعده، إلا ما رُوي أن عثمان شَطْر خلافته قدَّمَها؛ إذ رأى من الناس مَن تفوتهم الصلاة، فقال: لو قدمنا الخطبة؛ ليدركوا الصلاة، وقد روي مثل هذا عن عمر، وأنه أوَّل من قدَّمها؛ لهذه العلة، ولا يصح عنه، وقيل: أول من فعل ذلك معاوية، وقيل: أو من فعل ذلك مروان، يعني: بالمدينة، وقد ذكر مسلم غيره مع أبي سعيد، وقال ابن سيرين: إن زيادًا أول من فعله، يعنى: بالبصرة، وذلك كله أيام معاوية لأنهما عُمَّاله، وفعله ابن الزبير آخر أيامه...، وقد علل بعضهم فعل بني أُمية وإطباقهم على ذلك: أنهم كانوا أحدثوا في الخطبتين من لعن من لا يجب لعنه ما أحدثوه، فكان الناس إذا أُكْمِلَت الصلاة نفروا وتركوهم، فقدموا الخطبة لهذا. إكمال المعلم (3/ 289-290).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قال أصحابنا: إنه إن بدأ بها أعادها بعد الصلاة. إكمال المعلم (3/290).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
لا يعتد بالخطبة إذا تقدَّمت على الصلاة، فهو كالسُّنة الراتبة، بعد الفريضة إذا قدَّمها عليها، فلو لم يُعد الخطبة لم تلزمه إعادة ولا كفارة.
وقال المالكية: إن كان قريبًا أُمِرَ بالإعادة، وإن بَعُد فات التدارك، وهذا بخلاف الجمعة؛ إذ لا تصح إلا بتقديم الخطبة؛ لأن خطبتها شرط لصحتها، وشأن الشرط أن يُقَدَّم. إرشاد الساري (2/ 210).
قوله: «بغير أذان ولا إقامة»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«بغير أذان ولا إقامة» ولا الصلاة جامعة، ولا غير ذلك من البدع التي اعتادها الناس. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 555).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
وأما عدم الأذان والإقامة لصلاة العيد: فمتفق عليه. إحكام الأحكام (1/ 345).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «بغير أذان ولا إقامة» هذا دليل على أنه لا أذان ولا إقامة للعيد، وهو إجماع العلماء اليوم، وهو المعروف من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين، ونقل عن بعض السلف فيه شيء، خلاف إجماع من قبله وبعده. شرح صحيح مسلم (6/ 173).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
وكأن سببه (يعني: عدم الأذان في العيدين) تخصيص الفرائض بالأذان؛ تمييزًا لها بذلك عن النوافل، وإظهارًا لشرفها، وأشار بعضهم إلى معنى آخر، وهو أنه لو دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- إليها لوجبت الإجابة، وذلك منافٍ لعدم وجوبها، فهذا حَسَن بالنسبة إلى من يرى أن صلاة الجماعة فرض على الأعيان. إحكام الأحكام (1/ 345).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
اتفق العلماء على أن الأذان والإقامة للعيدين بدعة ومحدَث، وممن قال: إنه بدعة: عبد الرحمن بن أَبْزَى والشعبي والحَكَم، وقال ابن سيرين: هو محدث. فتح الباري (8/ 447).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واختُلف في أول مَن أحدث الأذان فيها أيضًا: فروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب أنه معاوية، وروى الشافعي عن الثقة عن الزهري مثله، وزاد فأخذ به الحَجَّاج حين أُمِّرَ على المدينة، وروى ابن المنذر عن حصين بن عبد الرحمن قال: أول من أحدثه زياد بالبصرة، وقال الداودي: أول مَن أحدثه مروان، وكل هذا لا ينافي أن معاوية أحدثه كما تقدم في البداءة بالخطبة، وقال ابن حبيب: أول من أحدثه هشام، وروى ابن المنذر عن أبي قلابة قال: أول من أحدثه عبد الله بن الزبير، وقد وقع في حديث الباب أن ابن عباس أخبره أنه لم يكن يؤذّن لها، لكن في رواية يحيى القطان أنه لما ساء ما بينهما أذَّن -يعني: ابن الزبير- وأقام. فتح الباري (2/ 453).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قال الشافعي: قال الزهري: وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمر في العيدين المؤذن فيقول: الصلاة جامعة، واستحب ذلك الشافعي وأصحابنا.
واستدلوا بمرسل الزهري، وهو ضعيف، وبالقياس على صلاة الكسوف؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- صح عنه أنه أرسل مناديًا ينادي: الصلاة جامعة.
وقد يُفَرَّق بين الكسوف والعيد، بأن الكسوف لم يكن الناس مجتمعين له، بل كانوا متفرقين في بيوتهم وأسواقهم، فنُودُوا لذلك، وأما العيد فالناس كلهم مجتمعون له قبل خروج الإمام. فتح الباري (8/ 448).
قوله: «ثم قام مُتَوكِّئًا على بلال»:
قال ابن العطار -رحمه الله-:
قوله: «ثم قام مُتَوكِّئًا على بلال» التوكُّؤ: التحامل، والمراد هنا الميل في قيامه متحاملًا على بلال. العدة في شرح العمدة (2/ 706).
وقال المظهري -رحمه الله-:
أي: مُتَوكِّئًا معتمدًا، يعني: كما يتَّكِئُ الخطيب على العصا اتكأ رسول الله -عليه السلام- على بلال. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 344).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«مُتَوكِّئًا» أي: معتمدًا «على بلال»؛ ليريح نفسه من تعب القيام. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (10/ 392).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فيؤخذ منه: القيام في الخطبة، والتوكؤ على شيء، ولو على آدمي، ولا يتعين القوس والعَصَا، كما قاله الفقهاء، وجواز استعانة العالم بمن هو في خدمته. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (4/ 226).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «ثم قام مُتَوكِّئًا على بلال» ظاهره أنه -صلى الله عليه وسلم- خطب مُتَوكِّئًا عليه، وأنه لم يكن منبر في المصلى.
وقد عقد البخاري له بابًا فقال: باب الخروج إلى المصلى بغير منبر، ثم ذكر حديث: «أنه -صلى الله عليه وسلم- كان ينصرف من صلاته فيقوم مقابل الناس»، ولابن خزيمة في رواية مختصرة: «خطب يوم العيد على راحلته».
وقد ثبت أن أول من أخرج المنبر مروان، وأُنْكِرَ عليه ذلك. التحبير لإيضاح معاني التيسير (6/ 59).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
قيل: يحتمل أن يكون المؤلف (يعني: البخاري) استنبط من قوله: «وهو يتوكأ على يد بلال» مشروعية الركوب لصلاة العيد لمن احتاج إليه، بجامع الارتفاع بكل منهما، فكأنه يقول: الأَولى المشي للتواضع حتى يحتاج إلى الركوب، كما خطب -عليه الصلاة والسلام- قائمًا على قدميه، فلما تعب توكَّأ على يد بلال.إرشاد الساري (2/ 211).
قوله: «فأمر بتقوى الله»:
قال السفاريني -رحمه الله-:
«فأَمَرَ» -صلى الله عليه وسلم- «بتقوى الله» -عز وجل-، أي: أمر أن يجعل العبد بينه وبين عذاب الله أمرًا يَقِيْهِ منه، مِن فعل الطاعات، واجتناب المحرمات، وأصل الوقاية: الصيانة وما وقيت به، واتَّقيت الشيء: حذرته.
وقوله تعالى: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى} المدثر: 56، أي: أَهْلٌ أن يُتَّقى عِقَابه، والتقي: مَن اتقاه، بأن فعل المأمور، واجتنب المحظور. كشف اللثام (3/ 204).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
أما التقوى فهي امتثال أمر الله تعالى، واجتناب نهيه. العدة في شرح العمدة (2/706).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
لكن هل يتعين لفظ التقوى؛ أي: يتأدى بمعناها؟
فيه وجهان لأصحاب الشافعي -رحمهم الله تعالى-: أصحهما عندهم: الثاني، مع اتفاقهم أن الأَولى الإتيان بلفظها، وما كان واجبًا فيما هو واجب، هل يكون واجبًا فيما هو مسنون؟
فيه أوجه لأصحاب الشافعي: الأصح: تسميته بالوجوب في المسنون، ¬فما يتأدى به الواجب في الخطبة الواجبة يتأدى به السُّنة في الخطبة المسنونة. العدة في شرح العمدة (2/ 706-707).
قوله: «وحثَّ على طاعته»:
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«وحثَّ» أي: حَضَّ «على طاعته» يقال: حثَّه عليه، واسْتَحَثَّه، وأَحَثَّه: حضَّه، والطاعة: امتثال المأمور، واجتناب المحظور. كشف اللثام (3/ 204).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
وأما الحث على الطاعة، فيكون بأمرين:
أحدهما: بالترغيب في الجزاء عليها.
والثاني: بالترهيب مِن تركها بفوات ثوابها، وترتُّب العقاب عليه. العدة في شرح العمدة (2/706).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«على طاعته» أي: طاعة الله تعالى، ومنها طاعته -عليه الصلاة والسلام-، وهذا تعميم بعد تخصيص؛ لأنه يشمل مكارم الأخلاق، أو المراد عبادته النافلة، أو على طاعته الخاصة بذلك اليوم من صدقة الفطر أو الأضحية، وهذا هو الأظهر، وأما قول ابن حجر (يعني: الهيتمي): وحثهم على طاعته؛ لكونها طاعة الله تعالى، فبعيد عن السِّبَاق والسِّيَاق. مرقاة المفاتيح (3/ 1072).
قوله: «ووعظ الناس وذكرهم»:
قال السفاريني -رحمه الله-:
«ووعظ» أي: ذَكَّر «الناس» ما يُلَيِّن قلوبهم من الثواب والعقاب. كشف اللثام (3/ 204).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
وأما الوعظ فهو الأمر، ومنه قوله تعالى: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} الأعراف: 164، أي: تأمرون، وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ} سبأ: 46، أي: آمركم. العدة في شرح العمدة (2/ 706).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«وذكَّرهم» ما يَؤُولُون إليه من أمر آخرتهم، وما يَلْقَوْنَه من النعيم المقيم، أو العذاب الأليم. كشف اللثام (3/ 204).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
وأما التذكير فيكون بالنِّعم ودفع النِّقم، واستحقاق الله -سبحانه وتعالى- الطاعة، والتنزيه والتحميد والتوحيد، والشكر على ذلك كله، وعلى التوفيق له. العدة في شرح العمدة (2/ 706).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
هذه المقاصد التي ذكرها الراوي -من الأمر بتقوى الله، والحث على طاعته، والموعظة، والتذكير-: هي مقاصد الخطبة، وقد عدَّ بعض الفقهاء مِن أركان الخطبة الواجبة: الأمر بتقوى الله، وبعضهم: جعل الواجب ما يسمى خطبة عند العرب، وما يتأدى به الواجب في الخطبة الواجبة تتأدى به السُّنة في الخطبة المسنونة. إحكام الأحكام (1/ 345).
قوله: «ثم مضى حتى أتى النساء»:
قال السفاريني -رحمه الله-:
«ثم» بعد وعظه وتذكيره للرجال «مضى» من المكان الذي فيه الرجال، يعني: من المصلى. كشف اللثام (3/ 204).
وقال الشيخ النجمي -رحمه الله-:
«ثم مضى» أي: مشى حتى أتى النساء. تأسيس الأحكام (3/ 44).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
هذا المضي إلى النساء صريح في أنه كان بعد الفراغ من خطبة العيد، ووقع في رواية في صحيح مسلم ما يُوهِم أنه -صلى الله عليه وسلم- نزل من المنبر في أثناء الخطبة، فأتى النساء فوعَظَهن، لا بعد الفراغ منها، وقطع القاضي عياض به، وليس كما قال، وقد وقع في صحيح مسلم -أيضًا- في حديث جابر هذا بـ«أنه -صلى الله عليه وسلم- صلى، ثم خطب الناس، فلما فرغ، نزل فأتى النساء، فذكَّرهن»، والله أعلم. العدة في شرح العمدة (2/ 707).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
السُّنة تذكير النساء بعد تذكير الرجال؛ لفعله -صلى الله عليه وسلم-. الحلل الإبريزية (1/ 288).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
ولا يلزم منه رؤيته لهُنَّ التي قال جمع من الشافعية بحلِّها. مرقاة المفاتيح (3/ 1072).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
إتيانه النساء بعد خطبته، ورأى أنهن لم يسمعن، فيستحب عظتهن، ويذكرهن الآخرة والأحكام، وحثهن على الصدقة، وهذا إذا لم يترتب عليه مفسدة، وخوف فتنة على الواعظ والموعوظ أو غيرهما. التوضيح (8/ 100-101).
وقال ابن الملقن -رحمه الله- أيضًا:
إتيانه النساء ووعظهن -فهو خاص به عند العلماء، كما قال ابن بطال-؛ لأنه أب لهن، وهم مجمعون على أن الخطيب لا تلزمه خطبة أخرى للنساء، ولا يقطع خطبته ليتمها عند النساء. التوضيح (8/132).
قوله: «فوعظهن وذكَّرهُن»:
قال السفاريني -رحمه الله-:
«فوعظهن وذكَّرهن» ما تَلِيْنُ به قلوبهن من الترغيب في الثواب، والترهيب من العقاب. كشف اللثام (3/ 204).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ووعظهن» بتخويف العقاب، «وذكَّرهن» بتحصيل الثواب، أو بإعطاء الصدقات، وفعل الخيرات والمَبَرَّات، فيوافق ما تقدَّم عنهن من إعطاء ما في آذانهن وحُلُوْقِهِنَّ.
وأما قول ابن حجر (يعني: الهيتمي) هنا: وذكَّرهن بالعواقب المشتملة على البشارة تارة، والنذارة أخرى، فهو عطف أعم، فمخالِف لما قاله سابقًا من كونه بدلًا مما قبله، قال: ثم رأيتُ شارحًا قال: «ذكَّرهن» إما تفسير لـ«وعظهن»، أو تأكيد له؛ إذ الوعظ الإنذار بالعقاب، والتذكير الإخبار بالثواب، والتذكير يكون لأمر عُلِمَ سابقًا. اهـ. وهو موضع تأمل. اهـ. وفاته ما ذكرته من عطف الأعم الأَولى مما ذكره كما هو ظاهر للمتأمل. اهـ. وهو موضع تأمل، فإنه يتوقف تحقيقهما على معناهما اللغوي أو العرفي، ولا شك أن كلام الشارح هو الظاهر المطابق لما ذكره أرباب اللغة، كصاحب الفائق (وهو الزمخشري) والخليل وغيرهما، ومما يؤيد أنه عطفٌ تفسيري أنه اكتفى في بعض الروايات بالتذكير. مرقاة المفاتيح (3/ 1072).
قوله: «فقال: تصدَّقْنَ، فإنَّ أكثركنَّ حطب جهنم»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«تصدَّقْن» من أموالكن في طاعة الله تعالى، يعني: صدقة التطوع؛ «فإن أكْثَرَكُن» أي: أغْلَبَكُنَّ. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (10/ 392).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
قوله: «حطب جهنم» جهنم: اسم من أسماء النار -أعاذنا الله منها-، وحطبها: وقودها، والحصب في لغة أهل اليمن والحبشة: الحطب، وإنما كنَّ كذلك؛ لعدم طاعة الله في أنفسهن وأزواجهن، وشكرهن لله تعالى على نعمه. العدة في شرح العمدة (2/ 707).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
قوله: «تصدَّقنَ..» دليل على أن الصدقة سبب لدفع العذاب، لا سيما السرية منها، الخالصة من الشوائب المكدِّرة للإخلاص فيها مِن حب مدح وثناء وغير ذلك. رياض الأفهام (3/ 61).
وقال الشيخ النجمي -رحمه الله-:
قوله: «تصدَّقن؛ فإني رأيتكن أكثر حطب جهنم» هذا إخبار عن مُغَيَّب، وهو وحي من الله إلى رسوله، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} النجم: 3-4، وعلى هذا فيجب علينا تصديق ذلك. تأسيس الأحكام (3/ 48).
قوله: «فقامت امرأة من سِطَةِ النساء»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقامت» أي: نهضت من بينهن «امرأة من سِطَة النساء». الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (10/ 392).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
قوله: «فقامت امرأة من سِطَة النساء» أصل هذه اللفظة من الوسط الذي هو الخيار، وهي -بكسر السين المهملة، وفتح الطاء المخففة-، ووقع في بعض نسخ صحيح مسلم: «من واسطة النساء». العدة في شرح العمدة (2/ 707).
وقال المازري -رحمه الله-:
قيل في تفسير قول الله تعالى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} القلم: 28، أي: أَعْدَلُهم وخَيْرُهم، ومنه قوله تعالى: {أُمَّةً وَسَطًا} البقرة: 143، أي: عَدْلًا خِيارًا. ويقال: فلان مِن أوسط قومه، وإنه لواسطةُ قومه، ووسيط قومه، أي: من خيارهم، ومن أهل الحَسَبِ فيهم، وقد وسَطَ وسَاطَة وسِطَة، وقول الله تعالى: {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا}، أي: فتوسَّط المكان، يقال: وَسَطَ البيوت يَسِطُهَا، إذا نزل في وسطها. المعلم بفوائد مسلم (1/ 478-479).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
كذا وقع هذا الحرف (يعني: كلمة: «سِطَة») عند عامة شيوخنا وسائر الرواة، إلا فيما أتى به الخُشني عن الطبري، فإنه ضبطه: «واسطة»، وهو قريب من التفسير الأول، لكن حذَّاق شيوخنا زعموا أن هذا الحرف مغيَّر في كتاب مسلم، وأن صوابه: «مِن سَفَلَة الناس»، وكذا رواه النسائي في سننه، وابن أبي شيبة في مصنفه، وذكره من طريق آخر: «فقامت امرأة ليست من عِلْيَة النساء»، وهذا ضد التفسير المتقدم، ويعضده قوله بعد: «سفعاء الخدَّين»، وهو شُحُوب وسوادٌ في الوجه. إكمال المعلم (3/ 294).
وقال النووي -رحمه الله- متعقبًا للقاضي والمازري:
هذا الذي ادَّعوه مِن تغيير الكلمة غير مقبول، بل هي صحيحة، وليس المراد بها من خيار النساء كما فسره هو، بل المراد امرأة من وسط النساء جالسة في وسطهن.
قال الجوهري وغيره من أهل اللغة: يقال: وسَطْتُ القوم أَسِطُهُم وسَطًا وسِطَةً، أي: تَوَسَّطْتُهم. شرح صحيح مسلم (6/ 175).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
فالحاصل من تفسير هذه اللفظة ثلاثة أشياء: خيار النساء، وسفلة النساء، وجالسة في وسطهن، والأظهر عندي ما قاله ع (يعني: القاضي عياض)، والله أعلم. رياض الأفهام (3/ 63).
وقال الشيخ النجمي -رحمه الله-:
ويحتمل: أن المراد الوسط السِّن، أي: ليست كبيرة ولا صغيرة، ولا شابة ولا عجوزًا، والمهم أن الوسط يُحمل على معاني متعددة. تأسيس الأحكام (3/ 45).
قوله: «سَفْعَاءَ الخدَّين»:
قال النووي -رحمه الله-:
قوله: «سفعاء الخدَّين» بفتح السين المهملة، أي: فيها تغير وسواد. شرح صحيح مسلم (6/ 175).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«سفعاء» أي: حمراء «الخدين». الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (10/ 392).
وقال الشيخ النجمي -رحمه الله-:
وقد استَدَل بهذه الفقرة من هذا الحديث بعض العلماء على أنه لا يجب ستر الوجه، وعضدوا هذا المأخذ للحديث الذي في الحج حين كان الفضل رَدِيْفًا للنبي -صلى الله عليه وسلم- (يعني: راكبًا معه)، فجاءت امرأة تسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وقد ذهب الجمهور إلى أن ستر الوجه واجب، مستدلين بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} الأحزاب: 59، ومعنى {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} أي: من الإدناء وهو الاستتار، وهو الإرخاء بتغطية الوجه بفضل الخمار، وبحديث عائشة في الحج، و«أنهن كُن إذا قابلن الركبان يَسْدِلن خُمُرهن على وجوههن»، والذي يظهر لي أن هذا هو القول الحق، وفي المسألة خلاف مذكور في كتب الحجاب فليُراجع. تأسيس الأحكام (3/ 46-47).
قوله: «فقالت: لمَ يا رسول الله؟»:
قال البسام -رحمه الله-:
«لِمَ»: أصله لِمَا، وحذفت الألف من (ما) الاستفهامية بسبب اللام. تيسير العلام (ص: 253).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«فقالت: لِمَ» أي: لأي شيء كنَّا أكثر حطب جهنم؟ كشف اللثام (3/ 207).
قوله: «لأنَّكُنَّ تُكْثِرنَ الشَّكَاة»:
قال ابن العطار -رحمه الله-:
«لأنَكُنَّ تُكْثِرن الشَّكاة» هو بفتح الشين؛ أي: الشكوى، ولا شك أن الشِّكاية جائزة إذا اضْطُرِرْنَ إليها، فإذا كثرت منهن دل ذلك على عدم الرضا بقضاء الله تعالى، وعلى عدم شكره -سبحانه وتعالى-، فيكون إكثارهن لها متعلقًا بالله تعالى، فاقتضى دخول النار. العدة في شرح العمدة (2/ 707).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «تُكْثِرْنَ الشَّكاة» يعني: التَّشَكِّي بالأزواج، أي: يَكْتُمْنَ الإحسان، ويُظهرن التشكي كثيرًا. المفهم (2/ 531).
قوله: «وتَكْفُرن العَشِير»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وتكفرن» أي: تُنْكِرن «العشير» أي: الإحسان منه. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (10/ 393).
وقال النووي -رحمه الله-:
معنى الحديث: أنهن يجحدن الإحسان؛ لضعف عقلهن، وقلة معرفتهن. شرح صحيح مسلم (6/ 175).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
ومعنى الكفر هنا: جحد الإحسان؛ لضعف عقلهن، وقلة معرفتهن؛ فإن الزوج قَوَّام على المرأة بالنفقة والكسوة والسُّكنى، وغض بصرها عن المحارم، وقيام حرمتها به وسترها، وقد بيَّن الله -سبحانه وتعالى- ذلك في كتابه العزيز، فقال: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} النساء: 34. العدة في شرح العمدة (2/ 708).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
اعلم أن الكفر عند الإِطلاق لا يُطلق إلا على الكفر المنافي للإِسلام، وقد يُطلق على الكفر المنافي لكماله، لقصد التنبيه على عِظَم قبحه شرعًا وعادة، لا للخروج من الإِسلام. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (4/ 238).
وقال الشيخ النجمي -رحمه الله-:
ليس يراد بالكفر الكفر المقابل للإسلام، ولكن المراد به كفر الجحود، وهو كفر دون كفر. تأسيس الأحكام (3/ 48).
وقال النووي -رحمه الله-:
«العشير» قال أهل اللغة: يقال: هو العشير المعاشِر والمخالِط، وحمله الأكثرون هنا على الزوج، وقال آخرون: هو كل مخالط. شرح صحيح مسلم (6/ 175).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«العشير» الزوج، وهو معدول عن اسم الفاعل؛ للمبالغة من المعاشرة والعِشْرَة، وهي الخلطة. المفهم (2/ 531-532).
وقال النووي -رحمه الله-:
يُستدل به على ذمِّ مَن يجحد إحسانَ ذي إحسان. شرح صحيح مسلم (6/ 175).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
وتعليله -صلى الله عليه وسلم- بالشِّكاة وكُفْرَان العشير: دليل على تحريم كُفران النعمة؛ لأنه جعله سببًا لدخول النار، وهذا السبب في الشِّكاية يجوز أن يكون راجعًا إلى ما يتعلق بالزوج وجحد حقه، ويجوز أن يكون راجعًا إلى ما يتعلق بحق الله؛ من عدم شكره، والاستكانة لقضائه، وإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد ذكر ذلك في حق من هذا ذنبه، فكيف بمن له منهنَّ ذنوب أكثر من ذلك، كترك الصلاة والقذف؟!. إحكام الأحكام (1/ 346).
وقال الفاكهاني -رحمه الله- معلقًا على كلام ابن دقيق العيد:
قلتُ: والأول أظهر؛ لأن الشِّكاية لقضاء الله تعالى غير مختصة بالنساء، والله أعلم. رياض الأفهام (3/ 64).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال ابن العربي: وخَصَّ كفران العشير من بين أنواع الذنوب لِدَقِيقة بَدِيعة، وهي قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لو أمرتُ أحدًا أن يسجد لأحد لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها»، فقَرَن حق الزوج على الزوجة بحق الله، فإذا كفرت المرأة حق زوجها وقد بلغ من حقه عليها هذه الغاية، كان ذلك دليلًا على تهاونها بحق الله، فلذلك يُطلق عليها الكفر، لكنه كفر لا يُخرج عن الملة. فتح الباري (1/ 83).
قوله: «قال: فجعلن يتصدقن من حُلِيِّهن»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فجعلن» أي: شَرَعْنَ «يتصدقن من حليهن». الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (10/ 393).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«فجعلن» يعني: النساء المخاطَبات من الصحابيات -رضي الله عنهن- «يتصدَّقن من حُلِيِّهن» الذي عليهن. كشف اللثام (3/ 210).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
الحُلِي: جمعٌ، والمفرد حُلِيَّ، وهو: بضم الحاء المهملة وكسرها، الضم أشهر وأكثر، وقد قرئ بهما في السبع، وأكثر القراء على الضم، واللام مكسورة، والياء مشددة فيهما. العدة في شرح العمدة (2/ 709).
وقال الشيخ النجمي -رحمه الله-:
قوله: «من حُلِيِّهن» هو ما تتحلى به المرأة من الذهب أو الفضة أو غيرهما. تأسيس الأحكام (3/ 45).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«من حليهن» أي: من جواهرهن التي يَلْبَسْنَ. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (10/ 393).
قوله: «يُلْقِيْنَ في ثوب بلال من أَقْرِطَتِهِنَّ وخواتِمِهِنَّ»:
قال السفاريني -رحمه الله-:
«يُلقين» أي: يَطْرحن «في ثوب بلال» -رضي الله عنه- بعد أن بَسَطَهُ. كشف اللثام (3/ 210).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يُلقين» أي: يرمينها صدقة «في ثوب بلال». الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (10/ 393).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
و«يُلقين» مفعوله محذوف، أي: كل نوع من حُلِيِّهن...
وفيه: أن هذا ليس زكاة الفطر، لأنها صاع قُوت. اللامع الصبيح (4/ 377).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «من أَقْرِطَتِهنَّ» هو جمع قُرط، قال ابن دريد: كل ما عُلِّق من شحمة الأذن فهو قُرْط، سواء كان من ذهب أو خَرَز، وأما الخُرص فهو الحلقة الصغيرة من الحُلِي. شرح صحيح مسلم (6/ 176).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«وخواتيمهن» جمع خاتم، وهو: ما يوضع في الأصبع، ويجمع أيضًا على خَوَاتِم -بلا ياء-، وعلى خَيَاتِيْم -بياء بدل الواو، وبلا ياء- أيضًا، وفي الخاتم ثمان لغات. كشف اللثام (3/ 210).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
كانت مطلق صدقة لا كما قاله بعضهم من أنها صدقة الفطر، كما تدل عليه رواية مسلم من طريق ابن جريج عن عطاء، وفيها قال ابن جريج: قلتُ لعطاء: زكاة الفطر، قال: لا، ولكن صدقة يتصدقن بها حينئذٍ. المنهل العذب المورود (6/ 318).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
وهذا يدلنا على مبادرة النساء إلى الصدقة، وعدم إرجائهن ذلك إلى أن يذهبن للبيوت، وأنهن صِرْنَ يُلقين من هذه الزينة التي عليهن، وهذا يدل على مبادرتهن إلى الخير، ومبادرتهن إلى الصدقة، وسرعة امتثالهن لما جاء عن الله وعن رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
وفيه: أن المرأة تتصدق بمالها ولو لم تستأذن زوجها، ولا يلزم استئذان الزوج في كون المرأة تتصدق. شرح سنن أبي داود (142/ 15).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: جواز صدقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها، ولا يتوقف ذلك على ثلث مالها، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور. شرح صحيح مسلم (6/ 173).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
وقد يؤخذ منه: جواز تصدق المرأة من مالها في الجملة، ومن أجاز التصدق مطلقًا من غير تقييد بمقدار معين، فلا بد له من أمر زائد على هذا يقرِّر به العموم في جواز الصدقة، وكذا من خَصَّص بمقدار معين. إحكام الأحكام (1/ 346).
وقال المازري -رحمه الله¬-:
تعلق بعض الناس بهذا الحديث في إجازة هبة المرأة مالها من غير اعتبار إذن الزوج؛ لأن النبي -عليه السلام- لم يسألهن: هل لهن أزواج أم لا؟. المعلم بفوائد مسلم (1/ 478).
وقال القاضي عياض -رحمه الله- معلقًا على كلام المازري:
قد يقال: إنه لا حجة في هذا؛ لأن الغالب من ذوات الأزواج حضور أزواجهن في ذلك المشهد، وتركهم الإنكار لفعلهن إذن لهن، وتسويغ لفعلهن. إكمال المعلم (3/ 293).
وقال النووي -رحمه الله- متعقبًا لعياض:
هذا الجواب ضعيف أو باطل؛ لأنهن كُنَّ معتزلات لا يَعلم الرجال مَن المتصدقة منهنَّ من غيرها، ولا قَدْرَ ما يُتَصدق به، ولو علموا فسكوتهم ليس إذنًا. شرح صحيح مسلم (6/ 173).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: حث على تذكير النساء. كشف المشكل (3/ 20).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
وفيه: إشارة إلى الإغلاظ في النصح بما لعله يبعث على إزالة العيب، أو الذنب اللَّذَين يتصف بهما الإنسان.
وفيه أيضًا: العناية بذكر ما تشتد الحاجة إليه من المخاطبين.
وفيه: بذل النصيحة لمن يحتاج إليها. إحكام الأحكام (1/ 345).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذه الأحاديث: استحباب وعظ النساء وتذكيرهن الآخرة وأحكام الإسلام، وحثهن على الصدقة، وهذا إذا لم يترتب على ذلك مفسدة وخوف على الواعظ أو الموعوظ أو غيرهما.
وفيه: أن النساء إذا حضرن صلاة الرجال ومجامعهم يكنَّ بمعزل عنهم؛ خوفًا من فتنة أو نظرة أو فكرٍ ونحوه.
وفيه: أن صدقة التطوع لا تفتقر إلى إيجاب وقبول، بل تكفي فيها المعاطاة؛ لأنهن أَلْقَين الصدقة في ثوب بلال من غير كلام منهن ولا من بلال، ولا من غيره، وهذا هو الصحيح في مذهبنا، وقال أكثر أصحابنا العراقيين: تفتقر إلى إيجاب وقبول باللفظ كالهِبة، والصحيح الأول، وبه جزم المحققون. شرح صحيح مسلم (6/ 172-173).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
اشتراط التلفظ بالإيجاب والقبول في المعاملات كالبيع والشراء فيه، والهبة والنكاح مما لا دليل عليه، والحق عدم الاشتراط. البحر المحيط الثجاج (17/ 423).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
(و) فيه: جواز اتكاء الإمام على بعض أتباعه، ولا يتعين القوس ولا العصا، كما قاله الفقهاء. رياض الأفهام (3/ 58).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
وأخَذَ الصوفية من هذا الحديث: الطلب للفقراء عند الحاجة من الأغنياء، وهذا حسن بهذا الشرط الذي ذكرناه، وفي مبادرة النساء لذلك، والبذل لما لعلهن يحتجن إليه -مع ضِيْق الحال في ذلك الزمان- ما يدل على رفيع مقامِهنِّ في الدِّين، وامتثال أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم-. إحكام الأحكام (1/ 346).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وفيه: تنبيه على أن صلاة العيد لا تجب على الأعيان؛ لأن الخطبة قبل الجمعة كالانتظار للناس، فلما لم يجب هذه على الأعيان بدأ بالصلاة. الإفصاح عن معاني الصحاح (8/ 258).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وفي الحديث: أن الإمام إذا رأى أنه لم يُسْمِع الموعظة النساء فإنه يأتِيْهِنَّ بعد فراغه من موعظة الرجال، فيعظهن ويذكِّرهن، وقد قال عطاء: إن ذلك حق عليه، ولعله أراد أنه مندوب إليه، متأكد الندب.
قال طائفة من أصحاب الشافعي: إذا عَلِمَ الإمام أن قومًا فاتهم سماع الخطبة استُحب أن يعيد لهم الخطبة، سواء كانوا رجالًا أو نساء، واستدلوا بهذا الحديث. فتح الباري (8/ 449).
وقال ابن رجب -رحمه الله- أيضًا:
وفيه: دليل على أن الإمام يستصحب معه المؤذن في الصلوات التي يجمع لها ويخطب، وإن لم يكن يُؤذَّن لها ويقام، ويستعين به. فتح الباري (9/ 52).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث أحكام كثيرة:
منها: شهود صلاة العيد مع الإمام.
ومنها: البدأة بالصلاة قبل الخطبة، واتفق أصحاب الشافعي على أنه لو قدَّمها على الصلاة صحَّت، ولكنه يكون تاركًا للسُّنة، مفوِّتًا للفضيلة، بخلاف خطبة الجمعة؛ فإن تقديمها شرط لصحة الجمعة.
ومنها: أنه لا يُشرع لصلاة العيد أذان ولا إقامة.
ومنها: القيام في الخطبة، والتَّوَكُّؤ على شيء، ولو على آدمي.
ومنها: الأمر بتقوى الله تعالى، والوعظ والتذكير، والحث على طاعة الله تعالى في الخطب.
ومنها: تخصيص النساء بالوعظ والتذكير في مجلس غير مجلس الرِّجال إذا لم يترتب عليه مفسدة، وهو حق على الإمام أن يفعله.
ومنها: حضور النساء صلاة العيد، وهذا كان في زمنه -صلى الله عليه وسلم- حضورهن إياها مطلقًا، سواء المخبآت (يعني: ذوات الخُدُور) وغيرهن، وأما اليوم فلا تخرج الشابة ذات الهيئة، ويخرج إليها من لا هيئة لها، ولهذا قالت عائشة -رضي الله عنها-: «لو رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما مُنِعَت نساء بني إسرائيل».
واختلف العلماء من السلف في خروجهن للعيد، فرأى جماعة ذلك حقًّا عليهن، منهم: أبو بكر وعلي، وابن عمر وغيرهم -رضي الله عنهم-، ومنهم من منعهن ذلك، منهم: عروة والقاسم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك وأبو يوسف، وأجازه أبو حنيفة مرة ومنعه مرة.
ومنها: الأمر بالصدقة لأهل المعاصي والمخالفات.
ومنها: سؤال الواعظ والمذكِّر حال وعظه وتذكيره عمَّا يَلْتَبِس عليه من العلم، وما لا يعلمه.
ومنها: مباشرة المرأة المفتي بالسؤال، خصوصًا بحضرة النساء.
ومنها: سؤال المستفتي للعالم عن العلم وهو قائم للنساء وغيرهن.
ومنها: عدم الحياء في السؤال عن العلم.
ومنها: جواز كشف المرأة وجهها إذا كانت غير جميلة للاستفتاء بحضرة الرجال والنساء، وقد جوز الفقهاء كشف وجه المرأة مطلقًا للشهادة عليها.
ومنها: شكر الإحسان وأهله.
ومنها: الصبر وعدم الشِّكاية إلى المخلوقين، وقد أمر الله -سبحانه وتعالى- بالصبر في غير آية، وحث عليه، وأن يكون جميلًا، وهو الذي لا شكوى فيه ولا جَزَع، وقد حث الشرع على إنزال الحوائج بالله تعالى دون غيره، وأن إنزالها بالله تعالى سبب لحصولها، وأن إنزالها بالمخلوقين سبب لفواتها.
ومنها: تحريم كفران النعم، سواء كانت من مفضول أو فاضل، وقد صح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يَشْكر الله من لا يَشكر الناس».
ومنها: التنبيه على شكر الله والثناء عليه؛ فإنه -سبحانه وتعالى- خالق الأسباب والمُسَبِّبات، والهادي لأحسنها، والصارف لسببها، ولا شك أن ذكر النِّعم والتحدث بها شكرها بالنسبة إليه -سبحانه وتعالى-.
وأما بالنسبة إلى الآدميين فبالمكافأة عليها إن قَدَر، وإلا فبالثناء على صاحبها والدعاء له.
وأما التحدث بها، فإنْ عَلِمَ أن صاحبها يُؤْثِرُ التحدث بها وذكرها أمسك عنهما، وإن علم أنه يَكره ذلك فعلهما، وينبغي أن يكون مع ذلك مقصود شرعي؛ من التنبيه على مثل فعل المنعِم، والاقتداء به في الإحسان، وحكم المكافأة الثناء عليه والذكر، والله أعلم.
ومنها: التنبيه على الأعلى بالأدنى؛ فإنه إذا كان بالشِّكاية وكفر الإحسان فاعلهما من أهل النار، فكيف بمن ترك الصلاة، وقَذَفَ المؤمنين، ورماهم بالكبر والبهتان؟
ومنها: أنه ينبغي للإمام إذا لم يكن في بيت المال شيء من مال أو متاع أو عَقَار أن يطلب الصدقة للمحتاجين، ويُقِيم من يتطوع بجمعها لهم، وكذلك كبير القوم يفعل إذا دعت إلى ذلك حاجة أو ضرورة.
ومنها: المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إليها.
ومنها: الصدقة بجميع أنواع المال، وإن كان المتصدِّق محتاجًا إلى ما يتصدق به.
ومنها: منقبة ظاهرةٌ للنساء المتصدِّقات، ورفع مقامهنِّ في الدين، وامتثال أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع أنهنَّ ضعيفات عن التَّكَسُّب غالبًا، وتحصيل الأموال، والشُّح فيهنَّ أغلب من الرجال، والله أعلم. العدة في شرح العمدة، باختصار (2/ 710-713).
وقال ابن الملقن -رحمه الله- أيضًا:
(و) فيه: حجة لمن يرى جواز فعل البِكْرِ، وفيه نظر؛ إذ لم يأتِ فيه عن بكرٍ أنها تصدقت معهن، ولا حضرت ذلك المشهد، نعم في الحديث الآتي (يعني: حديث أم عطية في إخراج العواتق، والحُيَّض، وذوات الخدور) ما يُشعر بحضورهن. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (4/ 246).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وفيه من الفقه: هِبَة المرأة اليسير من مالها بغير إذن زوجها، ولا يقال في هذا: إن أزواجهن كانوا حضورًا؛ لأن ذلك لم يُنقل، ولو نُقِل ذلك فلم يُنقل تسليم أزواجهن في ذلك، ومن ثبت له حق فالأصل بقاؤه حتى يصرِّح بإسقاطه، ولم يصرح القوم ولا نُقل ذلك، فصح ما قلناه. المفهم (2/ 529).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث من الفوائد أيضًا:
استحباب وعظ النساء وتعليمهن أحكام الإسلام وتذكيرهن بما يجب عليهن، ويستحب حثهن على الصدقة، وتخصيصهن بذلك في مجلس منفرد، ومحل ذلك كله إذا أمِنَ الفتنة والمفسدة.
وفيه: خروج النساء إلى المصلى.
وفيه: أن الصدقة من دوافع العذاب؛ لأنه أمرهن بالصدقة، ثم علل بأنهن أكثر أهل النار؛ لما يقع منهن من كفران النعم، وغير ذلك.
وفيه: بذل النصيحة والإغلاظ بها لمن احتيج في حقه إلى ذلك، والعناية بذكر ما يحتاج إليه. فتح الباري، باختصار (2/ 468-469).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وفيه: استحباب خروج النساء إلى صلاة العيدين، سواء كنَّ شوابَّ أم لا، وذوات هيئات أم لا. التحبير لإيضاح معاني التيسير (6/ 60).
وقال البسام -رحمه الله-:
(وفيه): مخاطبة نساء الصحابة للنبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يهمهُن أمره.
(وفيه): فقه نساء الصحابة وفهمَهُن؛ لأن هذه المتكلمة لما قال لهنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم-: إنهن أكثر أهل النار، فهمت أن هذا ليس ظلمًا من الله وحاشاه، وإنما بسبب الذنوب، فسألت عن هذا السبب الموجب لهُنَّ ذلك.
(و) أُخذ منه جواز ثقب الأذن للمرأة. تيسير العلام، باختصار (ص: 254).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قد يستأنس بما ذكرناه من تفسير القُرط لمسألة مهمة، وهي تنقيب الأذان، وفيها اختلاف للعلماء.
قال الغزالي: هو حرام؛ لأنه جرح لم تَدْعُ الحاجةُ إليه، وبالغ فيه مبالغة شديدة، قال: إلَّا إن يثبت فيه من جهة النقل رخصة، ولم يبلغنا، لكنه قال في بسيطه، في زكاة النقدين: وأما ما يختص بالنساء، فالتحلي للأزواج جائز لهن في المعاصم والمخانق والآذان، وما يعتاد فيه من السوار، والخِلْخَال وغيره. فقوله: والأذان فيه مخالفة لما ذكره في الإِحياء.
وقال صاحب الرعاية الحنبلي: يجوز ثقب أذن الصبيَّة للزينة، ويُكره ثقب أذن الصبي.
وقال قاضي خان الحنفي في فتاويه: لا بأس بتثقيب أذن الصبيَّة، لأنهم كانوا يفعلونه في الجاهلية، ولم يُنْكِر عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (4/ 242).
وقال الشيخ النجمي -رحمه الله-:
(وفيه): إخباره -صلى الله عليه وسلم- أن النساء حطب جهنم، أي: أكثر أهل النار. تأسيس الأحكام (3/ 45).
وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا)