الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

قَسَمَ النبي -صلى الله عليه وسلم- بين أصحابِهِ ضحايَا ‌فصارت ‌لعُقْبَة ‌جَذَعَةٌ فقلتُ: يا رسول الله صارت جَذَعَةٌ قال: «ضَحِّ بها».


رواه البخاري برقم: (5547)، ومسلم برقم: (1965)، من حديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه-.
وفي لفظ لمسلم: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ‌أعطاه ‌غنمًا ‌يَقْسِمُهَا ‌على ‌أصحابه ‌ضحايا. ‌فبقي ‌‌عَتُودٌ. فذَكرهُ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فقال: «ضحِّ به أنت»


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«جذَعةٌ»:
أصل الجَذَع ‌مِن ‌أسنان ‌الدواب، وهو ما كان منها شابًّا فتيًّا، فهو من الإبل ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر والمعز ما دخل في السنة الثانية، وقيل: البقر في الثالثة، ومن الضأن ما تمت له سنة، وقيل: أقل منها. ومنهم من يخالف بعض هذا في التقدير. النهاية، لابن الأثير(1/ 250).
«عَتُودٌ»:
العَتُودُ من أولاد المعز فوق الجَفْرِ، والجَفْرُ: الذي فُصِلَ عن أمه بعد أربعة أشهر، وجمع العَتُود أَعْتِدَة وعِدَّان، وهذا محمول على أنه قد بلغ ستة أشهر وأَجْذَعَ. كشف المشكل، لابن الجوزي(4/ 138).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«عَتُودًا» بفتح العين وضم المثناة، وهو الصغير من أولاد المعز إذا قوي على السِّفَاد (النزو على الأنثى) ورعى وأتى عليه حول، والجمع أَعْتِدَةٌ وعِدَّان بكسر العين. شرح سنن أبي داود (12/ 162- 163).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
والعَتُودُ: هو الجذع من الماعز بلا خلاف. قلت: قد قال ابن سيده: العَتُود: الجدي الذي استكرش، وقيل: هو الذي قد بلغ السِّفَاد. التوضيح (26/ 591).


شرح الحديث


قوله: «قسَمَ النبي -صلى الله عليه وسلم- بين أصحابهِ ضحايا»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«ضحايا»: جمع أضحية، وهي ما يُذبح للقربان...أي: ليجعل كُل واحد ما أصابه أضحية. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 348).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وأما قسمة الرسول الضحايا بين أصحابه، فإن كان قَسَمها بين الأغنياء لكانت من الفيء أو ما يجري مجراه مما يجوز أخذها للأغنياء، وإن كان إنما قَسَمها بين فقرائهم خاصة فكانت من الصدقة. وإنما أراد البخاري... -والله أعلم- ليريك أن إعطاء النبي -عليه السلام- الضحايا لأصحابه دليل على تأكيدها وندبهم إليها.
فإن قيل: لو كان كما زعمت لم يخْفَ ذلك عن الصحابة الذين قصدوا تركها وهم موسرون. قيل: ليس كما توهمت، ولم يتركها مَن تركها منهم لأنها غير وكيدة ولا مرغب فيها، وإنما تركها لما روي عن معمر والثوري عن أبي وائل قال: قال أبو مسعود الأنصاري: إني لأَدَعُ الأضحى وأنا مُوسر؛ مخافة أن يرى جيراني أنه حتمٌ عليّ. وروى الثوري، عن إبراهيم، عن مهاجر، عن النخعي، عن علقمة قال: لَأَنْ لا أُضّحِّي أحبُّ إلي من أن أراه حتمًا علي. وهكذا ينبغي للعالم الذى يقتدى به إذا خشي من العامة أن يلتزموا السُّنن التزام الفرائض أن يترك فعلها؛ ليُتأسى به فيها، ولئلا يخلط على الناس أمر دينهم فلا يفرقوا بين فرضه ونفله. شرح صحيح البخاري (6/ 8).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وهذه القسمة يجوز فيها ما لا يجوز في القسمة التي هي تمييز الحقوق بعضها من بعض؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- إنما وَكَّل عُقبة على تفريق الضحايا على أصحابه، ولم يعين لأحدهم شيئًا بعينه، فيخاف أن يعطي غيره عند القسمة فيكون ذلك ظلمًا ونقصانًا عن حقه، فكان تفرقها موكولًا إلى اجتهاد عقبة، وكان ذلك على سبيل التطوع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا أنها كانت واجبة عليه لأصحابه، فلم يكن على عقبة حرج في قسمتها، ولا لزمه من أحدٍ منهم ملامة إن أعطاه دون ما أعطى صاحبه، وليس كذلك القسمة بين من حقوقهم واجبة متساوية في المقسوم، فهذه لا يكون فيها تغابن ولا ظلم على أحد منهم. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (16/ 96).
وقال العراقي -رحمه الله-:
وإنما أمره -عليه الصلاة والسلام- بتفرقة غنم على أصحابه؛ فإما أن يكون -عليه الصلاة والسلام- عيَّن ما يعطيه لكل واحد منهم، وإما أن يكون وكَّل ذلك إلى رأيه من غير تقييد عليه بالتسوية، فإن في ذلك عسرًا وحرجًا، والغنم لا يتأتى فيها قسمة الأجزاء، ولا تُقسم إلا بالتعديل، ويحتاج ذلك في الغالب إلى ردٍّ؛ لأن استواء قسمتها على التحرير بعيد، والظاهر أن هذه الغنم كانت للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وقسمها بينهم على سبيل التبرع. طرح التثريب (5/ 189).
وقال العراقي -رحمه الله-:
وأما قوله في رواية بعجة: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قسم ضحايا» فيحتمل أنه نسب القَسْم إليه لأمره عقبة بذلك، ويحتمل أنَّ قَسْم عقبة إنما هو تنفيذ لقسم النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيكون النبي -صلى الله عليه وسلم- عيَّن ما يعطاه كل واحد وتولى عقبة تفرقة ذلك. طرح التثريب (5/ 193).

قوله: «‌فصارت ‌لعقبة ‌جذَعَةٌ»:
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«وصارت جذعة» أي: حصلت لي جذعة، ولفظه أَعم من أن يكون من المعز. الكواكب الدراري (20/ 122).
وقال العراقي -رحمه الله-:
إن قلتَ: كيف الجمع بين حديث عقبة من رواية أبي الخير عنه ومن رواية بعجة عنه؟
قلت: أما قوله في رواية بعجة: «جذعة أو جذع» فلا ينافي قوله في رواية أبي الخير: «عَتُودٌ»؛ لأن رواية أبي الخير بينت أن هذه الجذعة كانت من المعز فإن العتود مختص بالمعز...، وأما رواية معاذ بن عبد الله بن خبيب في التصريح بالضأن فلعلها قصة أخرى، والله أعلم. طرح التثريب (5/ 193).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قال أبو القاسم: سمعت أبي يقول: سألت بعض أهل البادية: كيف يعرفون الضأن إذا أجْذَعَ؟ قالوا: لا تزال الصوفة قائمة على ظهره ما دام حملًا، فإذا نامت الصوفة على ظهره عُلِم أنه أجذع. شرح سنن أبي داود (12/ 163).

قوله: «فقلتُ: يا رسول الله صارت جذَعَةٌ»:
قال البرماوي -رحمه الله-:
«صارت» أي: حصلت لي جذعة. اللامع الصبيح (14/ 153).
وقال الكرماني-رحمه الله-:
أي: حصلت لي ‌جذعة، ولفظه أعم من أن يكون من المعز لكن قال البيهقي وغيره: كانت هذه رُخصة لعُقبة كما كان مثلها رخصة لأبي بردة في حديث البراء. الكوكب الدراري (20/١٢٢).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
الجذعة من الضأن: ما كمل له ستة أشهر، ودخل في السابع، فأما من المعز فما له سنة وقد دخل في الثانية. كشف المشكل (3/ 100).
وقال الكاساني -رحمه الله-:
ذكر القدوري -رحمه الله- أن الفقهاء قالوا: ‌الجذع ‌من ‌الغنم ‌ابن ‌ستة ‌أشهر، والثَّنِيّ منه ابن سنة، والجذَع من البقر ابن سنة، والثَّنِي ابن سنتين، والجذع من الإبل ابن أربع سنين، والثَّنِي منها ابن خمس. بدائع الصنائع (5/ 70).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
والجذع من الضأن ما تم له ستة أشهر، قالوا: وله علامة، وهي أن الصغير من الضأن يكون شعر ظهره واقفًا، فإذا صار جذعًا فإنه ينام الشَّعْر على الظهر، وهذا ربما تكون علامة مقربة، لكن المدار على ما تم له ستة أشهر. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 84).
وقال النووي -رحمه الله-:
والجذع من الضأن ما له سنة تامة، هذا هو الأصح عند أصحابنا وهو الأشهر عند أهل اللغة وغيرهم، وقيل: ما له ستة أشهر، وقيل: سبعة، وقيل: ثمانية، وقيل: ابن عشرة حكاه القاضي وهو غريب، وقيل: إن كان متولَّدًا من بين شابين فستة أشهر، وإن كان من هرِمَين فثمانية أشهر. شرح صحيح مسلم (13/ 118).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
جذَعَة بفتح الجيم والذال المعجمة هو وصف لسِنٍّ معيَّن من بهيمة الأنعام، فمِن الضأن ما أكمل السَّنة وهو قول الجمهور...
وأما الجذع من المعز فهو ما دخل في السنة الثانية، ومن البقر ما أكمل الثالثة، ومن الإبل ما دخل في الخامسة. فتح الباري (10/ 5).
وقال العراقي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في سِن الجذع المجزئ في الأضحية، إما من الضأن على قول الجمهور أو من المعز على قول بعضهم، على أقوال:
أحدها: أنه ما أكمل سنة ودخل في الثانية، هذا هو الأشهر عند أهل اللغة... وهذا هو الأصح عند أصحاب الشافعي.
والثاني: ستة أشهر، وهو مذهب الحنفية والحنابلة، وقال صاحب الهداية: إنه كذلك في مذهب الفقهاء.
الثالث: سبعة أشهر حكاه صاحب الهداية عن الزعفراني.
الرابع: ستة أشهر أو سبعة حكاه الترمذي عن وكيع بن الجراح.
الخامس: ثمانية أشهر.
السادس: عشرة أشهر.
السابع: التفرقة بين ما تولَّد بين شاتين فيصير جذعًا ابن ستة أشهر، وبين ما تولَّد بين هَرِمَين فلا يصير جذعًا إلا إذا صار ابن ثمانية أشهر حكاه القاضي عياض.
الثامن: أنه لا يجزئ الجذع من الضأن حتى يكون عظيمًا حكاه القاضي أبو بكر بن العربي، وقال: إنه باطل لكنه مذهب الحنفية. طرح التثريب (5/ 193- 194).

وقوله: «قال: ضَحِّ بها»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ضحِّ» أَمْرٌ مِن ضحَّى يضحي. قوله: «بها» أي: بالجذعة المذكورة. عمدة القاري (21/ 146).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
لكن في الصحيحين عن عقبة بن عامر قال: «قسَم النبي -صلى الله عليه وسلم- بين أصحابه ضحايا فصارت لعقبة جذعة، فقلت: يا رسول الله صارت لي جذعة، قال: ضح بها»، زاد في رواية البيهقي: «ولا رخصة فيها لأحد بعدك» قال البيهقي: إن كانت هذه اللفظة محفوظة -أي: ‌ليست ‌بشاذة- ‌كان ‌هذا ‌رخصة لعُقبة كما رخصّ لأبي بُردة.
قال الحافظ: وفي هذا الجمع نظر؛ لأن في كل منهما صيغة عموم؛ أي: وهو نفي الاجزاء عن غير المخاطب في كل منهما، فأيهما تقدَّم على انتفاء الوقوع للثاني؟ ويحتمل الجمع بأن خصوصية الأول نُسخت بثبوت الخصوصية للثاني لا مانع من ذلك؛ لأنه لم يقع في السياق استمرار المنع لغيره صريحًا.
وإن تعذَّر الجمع بين حديثي أبي بردة وعقبة فحديث أبي بردة أصح مخرجًا؛ أي: لاتفاق الشيخين عليه فيُقدَّم على حديث عقبة ولا سيما وقد روياه بدون زيادة البيهقي، وإن كان حديث عقبة عنده من مخرج الصحيح؛ لأنه لا يلزم من إخراجهما لرجاله أن يكون مثل تخريجهما بالفعل. شرح الزرقاني على الموطأ (3/ 111).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«فصارت لعُقبة جذعة» قيل: جذعة من الضأن؛ لقوله: «ضحِّ بها» ولا يجوز إلا إذا كانت من الضأن، لكن في رواية مسلم عن عقبة فقال: «بقي عَتُودٌ فأعطاني فقال: ضحِّ به»، ‌وفيه ‌إشكال؛ ‌لأن ‌العتود ‌من ‌المعز فاتت له سنة، ولا يجوز التضحية به، ودفع الإشكال بزيادة رواها البيهقي أنه قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعقبة: «ضحِّ به ولا رخصة لأحد بعدك». الكوثر الجاري (9/ 182).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«ضحِّ به» ‌وفي ‌الرواية ‌الأخرى: «‌عَتُودٌ» هذه الرواية تدل على أن الجذع المذكور في حديث عُقبة هو من المعز؛ فإنَّ العَتُود إنما هو بأصل وضعه اسمٌ لِمَا رعى وقوي من أولاد المعز، وأتى عليه حول. هذا هو المعروف في اللغة، وعلى هذا: فيكون هذا الحديث معارضًا لحديث أبي بردة، ولذلك قال علماؤنا (المالكية): إن حديث عقبة منسوخٌ بحديث أبي بردة، ودل على هذا: ما حُكي من الإجماع على عدم إجزاء الجذع من المعز.
قلت: ويمكن في حديث عقبة تأويلان، ولا يُصار فيه إلى النسخ:
أحدهما: أن الجذع المذكور فيه هو من الضأن، وأُطلق عليه العَتُود؛ لأنه في سِنِّه وقوَّته، ولا يستنكر هذا، فمن المعلوم: أن العرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا جاوره، أو كان منه بسبب، أو شبه.
وثانيهما: أن العَتُود وإن كان من المعز فقد يقال على ما خرج من السَّنة الأُولى، ودخل في السَّنة الثانية لتقارب ما بينهما. وقد دل على صحة هذا ما حكاه القاضي عن أهل اللغة: أن العَتُود: الجدي الذي بلغ السِّفَاد. قال ابن الأعرابي: المعز، والإبل، والبقر: لا تُضرب فحولها إلا بعد أن تُثَنِّي، فإذا صح هذا ارتفع التعارض، وصح الجمع بين الحديثين، والجمع أَولى من الترجيح، والنسخ لا يصح مع إمكان الجمع. وفي حديث عُقبة دليل على تأكُّد أمر الأضحية، وأن الإمام ينبغي أن يفرق الضحايا على مَن لا يقدر عليها من بيت مال المسلمين. المفهم (5/ 359- 360).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: «أعطاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غنمًا أقسِّمها ضحايا بين أصحابي، فبقي عَتُودٌ منها قال: ضحِّ بها أنت، ولا أُرَخِّصُه لأحد فيها بعد» فهذه الزيادة إذا كانت ‌محفوظة ‌كانت ‌رُخصة ‌له كما رخص لأبي بردة بن نيار. السنن الكبرى (9/ 452).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال البيهقي وسائر أصحابنا وغيرهم: كانت هذه رخصة لعقبة بن عامر ‌كما ‌كان ‌مثلها ‌رخصة ‌لأبي ‌بردة ‌بن ‌نيار المذكور في حديث البراء بن عازب، قال البيهقي: وقد روينا ذلك من رواية الليث بن سعد، ثم روى ذلك بإسناده الصحيح عن عقبة بن عامر قال: «أعطاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غنمًا أقسمها ضحايا بين أصحابي، فبقي عتود منها، فقال: ضحِّ بها أنت، ولا رخصة لأحد فيها بعدك»، قال البيهقي: وعلى هذا يحمل أيضًا ما رويناه عن زيد بن خالد قال: «قسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أصحابه غنمًا فأعطاني عتودًا جذعًا، فقال: ضح به، فقلتُ: إنه جذع من المعز أُضَحِّي به؟ قال: نعم ضح به، فضحيت» هذا كلام البيهقي، وهذا الحديث رواه أبو داود بإسناد جيد حسن وليس فيه رواية أبي داود من المعز، ولكنه معلوم من قوله: «عتود» وهذا التأويل الذي قاله البيهقي وغيره متعين والله أعلم. شرح صحيح مسلم (13/ 119).
وقال الساعاتي -رحمه الله- معلقًا:
قال النووي: وهذا الحديث رواه أبو داود بإسناد جيد حسن، وليس في رواية أبي داود من المعز ولكنه معلوم من قوله: «عتود» اهـ، أي: لأنه لا يكون إلا من المعز كما تقدم. الفتح الرباني (13/ 73- 74).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
(فإن) قال قائل: كيف تقبلون هذا والعتود إنما هو من صغير أولاد المعز، وقد أجمع المسلمون أنه لا يضحى بمثله؟
فكان جوابنا له في ذلك: أن ذلك كان من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رُخصة منه لعقبة؛ بأن جَعَل ذلك له لا لمن سواه من الناس، كما جعل لأبي بردة بن نيار أن يضحي بجذع من المعز، على أن ذلك له خاصة، وعلى ألا يجزئ عن أحد بعده. شرح مشكل الآثار (14/ 410).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
وقد أجمعنا على أنه لا يجزئ ما دون الجذاع من جميعها، ولا يلزم ما فوق الثنايا من جميعها، واختلفوا في الجذاع والثنايا على ثلاثة:
أحدها: وهو قول عبد الله بن عمر والزهري: إنه لا يجزئ منها إلا الثنايا من جميعها، ولا يجزئ الجذع من الضأن كما لا يجزئ الجذع من المَعز.
والمذهب الثاني: وهو قول عطاء والأوزاعي: إنه يجزئ الجذع من جميعها حتى من الإبل والبقر والمعز كما يجزئ الجذع من الضأن.
والمذهب الثالث: وهو قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك والجمهور من الفقهاء: إنه لا يجزئ من الإبل والبقر والمعز إلا التي دون الجذع، ويجزئ من الضأن وحده الجذع...
والدليل على أن الجذع من المعز لا يجزئ: ما رواه الشافعي عن سعيد بن المسيب عن ابن خباب عن يزيد عن البراء بن عازب قال خطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم العيد، فقال: «إن أول نُسُك يومكم هذا الصلاة، فقام إليه خالي أبو بردة فقال: يا رسول الله كان يومًا يشتهر فيه اللحم، وإنا عجَّلنا فذبحنا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فأبدلها»، قال: يا رسول الله إن عندنا ماعزًا جذعًا؟ فقال: هي لك وليست لأحد بعدك». فدل على أن الجذع من المعز لا يجزئ غيره. الحاوي الكبير (15/ 76- 77).
وقال العراقي -رحمه الله-:
وهذا الحديث حُجة له (أي من قال بجواز الجَذَعِ مطلَقًا ولو من المعْزِ)؛ ‌فإنه ‌صريح ‌في ‌تجويز ‌الجذع من المعز، والضأن أولى منه بذلك.
وقال من منع مطلقًا: هذا رخصة، والتجويز خاص بعقبة أجاب به البيهقي وغيره، ويدل له ما رواه البيهقي بإسناد صحيح في هذا الحديث أنه -عليه الصلاة والسلام- قال لعقبة: «ضح بها أنت ولا رخصة لأحد فيها بعدك».
فإن قلتَ: ففي الصحيحين من حديث البراء بن عازب أنه -عليه الصلاة والسلام- أذن لأبي بردة بن نيار في التضحية بجذعة من المعز، وقال: «لن تجزئ عن أحد بعدك». قلتُ: كلا الحديثين عام مخصوص، وإجزاء الجذعة من المعز خاص بعقبة بن عامر وأبي بردة بن نيار خال البراء.
وفي الصحيحين عن أنس قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم النحر: «من كان ذبح قبل الصلاة فليُعِدْ»، فقام رجل فقال: إن هذا يوم يشتهى فيه اللحم، وذكر جيرانه، وعندي جذعة خير من شاتي لحم، فرخَّص له في ذلك، فلا أدري أبلغت الرخصة من سواه أم لا...
فيكون الأصل منع إجزاء الجذع من المعز إلا لمن صح الترخيص له فيه، ويُحمل قوله: «ولن يجزئ عن أحد بعدك» أي: من غير مَن رخّص له في ذلك؛ جمعًا بين الأحاديث.طرح التثريب(5/١٩١).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
وقد ‌أجاز ‌التضحية ‌بالجذع من المعز فيهما اثنان من الصحابة: عقبة بن عامر، وزيد بن خالد.
وقد روي عن أم سلمة أم المؤمنين، وابن عمر جواز الجذع من المعز في الأضحية وإن كان غيره خيرًا منه.
فإن قالوا: هذا منسوخ بخبر البراء، قلنا: خبر البراء لا دليل فيه على تخصيص الجذع من المعز دون الجذع من الضأن والإبل، والبقر بالمنع إلا بدعوى كاذبة. المحلى (6/ 25).
قال الشوكاني -رحمه الله-:
والتأويل الذي قاله البيهقي وغيره متعيِّن. وإلى المنع من التضحية بالجَذَع من المعز ذهب الجمهور.
وعن عطاء والأوزاعي: تجوز مطلقًا، وهو وجه لبعض الشافعية حكاه الرافعي، وقال النووي: هو شاذ أو غلط.
وأغرب عياض، فحكى الإجماع على عدم الإجزاء.
وأحاديث الباب تدل على أنها تجوز التضحية بالجَذَع من الضأن، كما ذهب إليه الجمهور؛ فيُردّ بها على ابن عمر والزهري، حيث قالا: إنه لا يُجزئ. نيل الأوطار(5/136 ـ 137)
وقال العيني -رحمه الله-:
وهذه القِسمة يجوز فيها من المسامحة والمساهلة ما لا يجوز في القِسمة التي هي تمييز الحقوق؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- إنما وكّل ‌عقبة على تفريق الضحايا على أصحابه، ولم يُعيّن لأحدٍ منهم شيئًا بعينه، فكان تفريقًا موكولًا إلى اجتهاد ‌عقبة.
وكان ذلك على سبيل التَّطوُّع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا أنها كانت واجبة عليه لأصحابه، فلم يكن على ‌عقبة حرجٌ في قسمتها، ولا لزمه من أحدٍ منهم ملامة، إن أعطاه دون ما أعطى صاحبه.
وليس كذلك القِسمة بين حقوقهم الواجبة؛ فإنها متساوية في المقسوم، فهذه لا يكون فيها تغابن، ولا ظلمٌ على أحدٍ منهم.
وفيه: ‌استئمار الوكيل ‌ما ‌يصنع ‌بما فضل.
وفيه: التفويض إلى الوكيل.
وفيه: قبول العطية والتضحية بها. عمدة القاري (13/٦٢).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفي قوله في حديث عقبة: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطاه غنمًا يقسمها على ‌أصحابه ‌ضحايا» جواز ضحية الرجل بما وُهب له بذلك. إكمال المعلم (6/ 409).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وفي حديث عقبة: دليل على تأكُّد أمر الأضحية، وأن الإمام ينبغي أن ‌يفرق ‌الضحايا على من لا يقدر عليها من بيت مال المسلمين. المفهم (5/ 360).
وقال الشيخ محمد بن علي الأثيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (حديث عقبة):
منها: ‌بيان ‌حكم ‌التضحية ‌بالجذع.
ومنها: أن الإمام يقسم الضحايا بين الرعية، إذا لم يجدوها.
ومنها: جواز التوكيل بالقسمة.
ومنها: أنه استدل به على إجزاء الأضحية بالشاة الواحدة، وأن التضحية بكبشين...ليس على الوجوب، بل على الاختيار، فمن ذبح واحدة، أجزأت عنه، ومن زاد فهو خير، والأفضل الاتباع في الأضحية بكبشين، ومن نظر إلى كثرة اللحم، كالشافعي، قال: الأفضل الإبل، ثم الضأن، ثم البقر. البحر المحيط الثجاج (33/ 373- 374)


إبلاغ عن خطأ