«يا أهل المدينة لا تأكلوا لُحُومَ الأضاحِيِّ فوق ثلاث أيام»، فشَكَوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن لهم عِيالًا وحَشَمًا وخدَمًا، فقال: «كلوا وأَطْعِمُوا واحْبِسُوا أو ادخِرُوا».
رواه مسلم برقم: (1973)، من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«الأضاحِيِّ»:
«الأضاحي»: جمع أضحية، ويقال: ضحيَّة وضحايا كهدية وهدايا، وأَضْحَاة وأضحى كأرطاة وأرطى، وبه سمي يوم الأضحى، ويقال: ضحَّى بكبش أو غيره إذا ذبحه وقت الضحى من أيام الأضحى، ثم كثر حتى قيل ذلك ولو ذبح آخر النهار. المغرب، المطرزي (ص: 280- 281).
«عِيالًا»:
عِيَالُ الرَّجُل وعَيِّلُه: الذين يتكفل بهم. المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده (2/ 245).
وقال البركتي -رحمه الله-:
عيال الرجل: هو الذي يسكن معه ونفقته عليه كغلامه وامرأته وولده الصغير. التعريفات الفقهية، البركتي (ص: 155).
«وحَشَمًا»:
قال الجوهري -رحمه الله-:
حَشَمُ الرَّجُل: خَدَمُه ومن يغضب له، سموا بذلك لأنهم يغضبون له. الصحاح (5/ 1900).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
هي كلمة في معنى الجمع ولا واحد لها من لفظها، وفسَّرها بعضهم: بالعيال والقَرابة ومن يغضب له إذا أصابه أمر. المصباح المنير، الفيومي (1/ 137).
«ادَّخِرُوا»:
أصل ادَّخروا: اذتخروا، افْتَعِلُوا من الذُّخْرِ، أُبدلت التاء ذالًا فأُدغمت في الذال... والاسم من هذا: الذخر، ولِمَا يُذخر: الذخيرة. قال الله تبارك وتعالى: {وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} آل عمران: 49، أي: تَعُدُّون وتَقْتَنُون لوقتٍ ما. المجموع المغيث، أبو موسى المديني (1/ 694).
وقال بطال الركبي -رحمه الله-:
الادخار: أصله: الاذتخار، وهو الافتعال مِن ذَخَرْتُ الشيء أي: رفَعْتُه وحفِظْتُه. النظم المستعذب، بطال الركبي (1/ 152).
شرح الحديث
قوله: «يا أهل المدينة لا تأكلوا لُحُومَ الأضاحيِّ فوق ثلاث أيام»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«فوقَ ثلاث» من الأيام، ابتداؤها من يوم النحر أو من يوم الذبح، وأَوْجَبت عليكم التصدق بها. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 245).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
يريد أنه نهى عن أن يأكل منها ذابحها بعد ثلاث؛ لأنه لما أباح الذبح في الثلاثة الأيام أباح أكل فيها من الأضحية، وقَصَرَ إباحة الأكل عليها؛ ليتمكَّن المضحي بأن يؤخِّر الذبح إلى آخرها، ولا يتعذر عليه الأكل منها.
ويحتمل أن يريد إباحة الأكل بعد ثلاثة أيام من وقت ذبح أضحيته؛ لكان ضحى في آخر أيام الذبح، أبيح له الأكل منها ثلاثة أيام؛ لأن في منعه منها بعد اليوم والمدة اليسيرة تضييقًا عليه، وفي أكله منها بعد ثلاث منتفع، ونهى عن أكلها بعد ذلك، والنهي يقتضي التحريم، ثم نسخ ذلك بإباحة أكله، وهذا من باب نسخ السنة بالسنة. المسالك في شرح موطأ مالك (5/ 189).
وقال ابن العربي -رحمه الله- أيضًا:
ويحتمل أن يكون إنما منع من أجل الدافَّة (الجماعة من الناس تُقْبِل من بلدٍ إلى بلدٍ)، وأن الحاجة الواجبة أوجبت ذلك، وأن الحاجة لو نزلت بقوم من أهل المسكنة للزم الناس مواساتهم، إلا أن الأظهر أنه حكم منسوخ، والله أعلم.
ولو كان لأجل الدافَّة خاصة لما اختص ذلك بلحوم الأضاحي، بل كان يلزم الناس مواساتهم بها وبغيرها، والحديث منسوخ حقيقة، والله أعلم. المسالك في شرح موطأ مالك (5/ 187- 189).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
واسْتَدَلَّ بقوله: «بعد ثلاث» بعض مشايخنا على مذهب مالك؛ أن أيام الذبح ثلاث، خلاف من قال: هي أربع أو أكثر من ذلك على ما تقدم لغيره. إكمال المعلم (6/ 424).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وإنما منعهم لأجل قوم من الفقراء قدموا المدينة فأراد أن يواسوهم، ثم أباحهم بعد ذلك. الإفصاح (8/ 249).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
واختلف في أول الثلاثة الأيام التي كان الادخار جائزًا فيها. فقيل: أولها يوم النحر، فمَن ضحى فيه جاز له أن يمسك يوم النحر، ويومين بعده، ومن ضحى بعده أمسك ما بقي له من الثلاثة الأيام من يوم النحر. وقيل: أولها يوم يضحي، فلو ضحى في آخر أيام النحر؛ لكان له أن يمسك ثلاثة أيام بعده. وهذا الظاهر من حديث سلمة بن الأكوع، فإنه قال فيه: «من ضحى منكم فلا يُصْبِحَنَّ في بيته بعد ثالثةٍ شيء».
قلت: ويظهر من بعض ألفاظ أحاديث النهي ما يوجب قولًا ثالثًا، وهو أن في حديث أبي عبيد: «فوق ثلاث ليال»، وهذا يوجب إلغاء اليوم الذي ضحى فيه من العدد، وتُعتبر ليلته وما بعدها. وكذلك حديث ابن عمر فإن فيه: «فوق ثلاث» يعني: الليالي. وكذلك: حديث سلمة؛ فإن فيه: «بعد ثالثة». وأما حديث أبي سعيد ففيه: «ثلاثة أيام»، وهذا يقتضي اعتبار الأيام دون الليالي. المفهم (5/ 376- 377).
وقال العراقي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في هذا النهي على أقوال:
أحدها: أنه كان للتحريم وأنه منسوخ ...وهذا هو المشهور وحكاه النووي في شرح مسلم عن جماهير العلماء المسلمين في إجازة أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، وأن النهي عن ذلك منسوخ...
القول الثاني: أن هذا ليس نسخًا، ولكن كان التحريم لعلة، فلما زالت زال ولو عادت لعاد، وبهذا قال ابن حزم الظاهري...
القول الثالث: كالذي قبله في أن هذا ليس نسخًا ولكن التحريم لعلة، فلما زالت زال، ولكن لا يعود الحكم لو عادت، وهذا وجه لبعض الشافعية حكاه الرافعي والنووي وهو بعيد.
القول الرابع: أن النهي الأول لم يكن للتحريم وإنما كان للكراهة...
القول الخامس: أن هذا النهي للتحريم وأن حكمه مستمر لم ينسخ. طرح التثريب (5/ 197- 199).
وقال العراقي -رحمه الله- أيضًا:
مفهوم الحديث: أنه لا منع من الأكل من لحم أضحية غيره فوق ثلاث، فالمهْدَى إليه والمتصدَّق عليه له ادخاره فوق ثلاث؛ لأن القصد مواساة أصحاب الأضاحي وقد حصلت، وأما الفقير فإنه لا حَجْرَ عليه في التصرف فيه، وقد يستغني عنه مدة الثلاث بغيره ويحتاج إليه بعد الثلاث، ويدل لهذا ما رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده عن الزبير بن العوام «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد نهى المسلمين أن يأكلوا لحم نسكهم فوق ثلاث، قلتُ: يا نبي الله بأبي أنت وأمي كيف نصنع بما أُهدي لنا؟ قال: ما أهدي إليكم فشأنكم به» والحديث في مسند أحمد أيضًا، وقد يُفَرَّق في ذلك بين الغني فيحرم عليه ادخاره بعد ثلاث ولو كان من لحم أهداه له غيره، والفقير فيباح له؛ لأنه لا يحتمل حاله المواساة والله أعلم. طرح التثريب (5/ 199- 200).
قوله: «فشَكَوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن لهم عيالًا وحَشَمًا وخدَمًا»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فشَكَوا إلى رسول الله...» يحتاجون لحوم الأضاحي بعد ثلاث. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (8/ 93).
وقال النووي -رحمه الله-: الحَشَمُ بفتح الحاء والشين: هم اللائذون بالإنسان يخدمونه ويقومون بأموره. شرح صحيح مسلم (13/ 133).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «إن لهم عيالًا وحَشَمًا وخدمًا»... والحِشْمَة الغضبُ، ويُطلق على الاستحياء أيضًا، ومنه قولهم: فلان لا يحتشم أي: لا يستحي، ويقال: حَشَمْتُه وأَحْشَمْتُه إذا أغضبتُه واذا أخجلته فاستحيى الخجلة، وكأن الحَشَمَ أعم من الخدم فلهذا جمع بينهما في هذا الحديث وهو من باب ذكر الخاص بعد العام والله أعلم شرح صحيح مسلم (13/ 133).
قوله: «كلوا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقال» لهم رسول الله: «كلوا» أنتم وعيالكم.الكوكب الوهاج (20/ 446).
وقال المازري -رحمه الله-:
جمهور الفقهاء على أن الأكل من الأضحية غير واجب، وشذ بعضهم فأوجب الأكل منها؛ لظاهر هذه الأوامر، والجمهور لما كانت عندهم جاءت بعد الحظر حملت على الإباحة كقوله تعالى {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} المائدة: 2، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا} الجمعة: 10. المعلم (3/ 97).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
وقوله: «فكلوا» وقد روي ما يقتضي الإباحة، روى ابن المواز عن مالك: لا بأس على الرجل إن لم يأكل من بدنته، وإن تصدق بلحم أضحيته كله فهو أعظم لأجره.
وروي ما يدل على أنه على الندب والاستحباب، وهذا ما روى ابن حبيب عن مالك: لو أراد أن يتصدق بلحم أضحيته كله واستغنى عنه فلم يأكل منه شيئًا لكان مخطئًا.
توجيه:
فوجه رواية ابن المواز: أنه حيوان يجري على وجه القربة، فلم يؤمر بالأكل منه، أصل ذلك: ما نذره أو تصدق به.
ووجه رواية ابن حبيب: أنه حيوان يذبح على وجه القربة المبتدأة، فكان الأكل منه مشروعًا مندوبًا إليه كالهدي.
وقد حكى عبد الوهاب عن بعض العلماء أنه قال: الأكل منها واجب، وهذا قول شاذ بعيد. المسالك في شرح موطأ مالك (5/ 189- 190).
قوله: «وأَطْعِمُوا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وأطعموا» الفقراء والمساكين وتصدقوا عليهم. الكوكب الوهاج (20/ 446).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
فهو على الاستحباب دون الوجوب؛ لأنه لا خلاف اليوم بين الفقهاء في ذلك، والأصل فيه: قوله...: «وتصدقوا» والأمر يقتضي الوجوب أو الندب، فإذا دل الإجماع على انتفاء الوجوب حُمل على الندب، وقد روي عن مالك: لو أن رجلًا تصدق بأضحيته كلها كان مخطئًا، كما لو أكلها ولم يَطعم منها.
وقال ابن المواز: يُستحب له أن يتصدق ببعض لحم أضحيته، ولو لم يتصدق بشيء منه جاز له...
فإذا ثبت أن الإطعام منها مشروع فقال ابن حبيب: لم يحد ما يطعم ولا ما يأكل، فليأكل وليتصدق، وما فعل مما قل من ذلك أو كثر فهو يجزئ.
زاد ابن الجلاب: والاختيار أن يأكل الأقلَّ ويقسم الأكثر، ولو قيل: يأكل الثلث ويقسم الثلثين لكان حسنًا، والله أعلم. المسالك في شرح موطأ مالك (5/ 190- 191).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
لا خلاف أن الأمر بالصدقة باق غير منسوخ، فإنه على الاستحباب دون الوجوب، إلا مذهب من منع الأكل من السلف وبعض العلماء؛ أن الصدقة منها على الوجوب، ولا حدَّ له عند مالك وأكثرهم في ذلك، فيتصدق بما شاء، ويأكل ما شاء، ويطعم ما شاء، واستحب الشافعي الصدقة بالثلث. واختار بعض شيوخنا وغيرهم الصدقة بأكثر وأكل الثلث والأقل، واستحب آخرون الصدقة بالنصف. إكمال المعلم (6/ 426).
قوله: «واحْبِسُوا أو ادخِرُوا»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقوله: «ادخروا» لا خلاف بين العلماء اليوم أنه على الإباحة أيضًا، منسوخ الحكم الأول من النهي عن الادخار بعد ثلاث. إكمال المعلم (6/ 427).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«واحبسوا» أي: ادخروا عندكم ما تحتاجون إليه لأنفسكم ولعيالكم. الكوكب الوهاج (20/ 446).
وقال الشيخ محمد بن علي الأثيوبي -رحمه الله- أيضًا:
«واحبسوا، أو» للشك من الراوي «ادخروا» قال محمد بن المثنى: شك عبد الأعلى، أي: في قوله: «واحبسوا، أو ادخروا» والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (33/ 457).
قال الشافعي -رحمه الله-:
فالرخصة بعدها في الإمساك والأكل والصدقة من لحوم الضحايا إنما هي لواحد معنيين؛ لاختلاف الحالين، فإذا دفَّت الدَّافَّةُ ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، وإذا لم تَدُفّ دافَّة فالرخصة ثابتة بالأكل والتزود والادخار والصدقة.
ويحتمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث منسوخًا في كل حال، فيمسك الإنسان من ضحيته ما شاء ويتصدق بما شاء. الرسالة (ص: 239- 240).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
لم يَخْلُ نهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام من أحد وجهين:
إما أن يكون ذلك على الحض منه لهم على الصدقة والخير، فإن كان ذلك على الحض منه لهم في الصدقة لا على التحريم؛ فذلك دليل على أن لا بأس بادخار لحوم الأضاحي وأكلها بعد الثلاث.
وإن كان ذلك من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على التحريم، فقد كان منه بعد ذلك ما قد نَسخ ذلك وأوجب التحليل، فثبت بما ذكرنا إباحة ادخار لحوم الأضاحي وأكْلها في الثلاثة وبعدها، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -رحمة الله عليهم أجمعين-. شرح معاني الآثار (4/ 187- 188).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقيل: يحتمل أن تكون الكراهة منسوخة وهو أظهر. إكمال المعلم (6/ 424).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«فادَّخِروا» وهذا رفع لحكم الخطاب الأول بخطاب متأخر عنه، وهذا هو حقيقة النسخ؛ لأنا نقول: هذا لعمر الله ظاهر هذا الحديث، مع أنه يحتمل أن يكون ارتفاعه بأمر آخر غير النسخ، فلو لم يرد لنا نص بأن المنع من الادخار ارتفع لارتفاع علته؛ لما عَدَلنا عن ذلك الظاهر، وقلنا: هو نسخ، كما قلناه في زيارة القبور، وفي الانتباذ بالحنتم المذكورين معه في حديث بريدة المتقدم في باب: الجنائز، لكن النص الذي في حديث عائشة -رضي الله عنها- في التعليل بيَّن أن ذلك الرفع ليس للنسخ، بل لعدم العلة، فتعين ترك ذلك الظاهر، والأخذ بذلك الاحتمال لعضد النص له. والله تعالى أعلم.
تنبيه: الفرق بين رفع الحكم بالنسخ، ورفعه لارتفاع علته: أن المرفوع بالنسخ لا يُحكم به أبدًا، والمرفوع لارتفاع علته يعود الحكم لِعَوْدِ العلة، فلو قَدِمَ على أهل بلدة ناس محتاجون في زمان الأضحى، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدون بها فاقاتهم إلا الضحايا، لتَعَيَّن عليهم: ألا يدخروها فوق ثلاث، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-. المفهم (5/ 378- 379).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذا تصريح بزوال النهي عن ادخارها فوق ثلاث، وفيه الأمر بالصدقة منها، والأمر بالأكل، فأما الصدقة منها إذا كانت أضحية تطوع فواجبة على الصحيح عند أصحابنا بما يقع عليه الاسم منها، ويستحب أن يكون بِمُعْظَمِهَا، قالوا: وأدنى الكمال أن يأكل الثلث ويتصدق بالثلث ويهدي الثلث، وفيه قول: إنه يأكل النصف ويتصدق بالنصف، وهذا الخلاف في قدر أدنى الكمال في الاستحباب، فأما الإجزاء فيجزيه الصدقة بما يقع عليه الاسم كما ذكرنا، ولنا وجه أنه لا تجب الصدقة بشيء منها، وأما الأكل منها فيستحب ولا يجب، هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا ما حُكي عن بعض السلف أنه أوجب الأكل منها، وهو قول أبي الطيب بن سلمة من أصحابنا حكاه عنه الماوردي؛ لظاهر هذا الحديث في الأمر بالأكل مع قوله تعالى {فَكُلُوا مِنْهَا} الحج: 28. شرح صحيح مسلم (13/ 131).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
هذا الحديث مما صرح فيه بالناسخ والمنسوخ جميعًا...شرح صحيح مسلم (13/ 135).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
وقد اختلف الأصوليون المتكلمون في الأمر الوارد بعد الحظر، فالجمهور من أصحابنا وغيرهم على أنه للوجوب كما لو ورد ابتداء، وقال جماعة منهم من أصحابنا وغيرهم: إنه للإباحة. شرح صحيح مسلم (13/ 131- 132).
وقال الشيخ محمد الخضر الشنقيطي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث من الفوائد: نسخ الأثقل بالأخف؛ لأن النهي عن ادخار لحم الأضحية بعد ثلاث مما يثقل على المضحِّين والإذن في الادخار أخف منه.
وفيه: رد على من يقول: إن النسخ لا يكون إلا بالأثقل للأخف، وعكسه ابن العربي زاعمًا أن الإذن في الادخار نُسخ بالنهي، وتُعقِّب بأن الادخار كان مباحًا بالبراءة الأصلية، فالنهي عنه ليس نسخًا، وعلى تقدير كونه نسخًا ففيه نسخ الكتاب بالسنة؛ لأن في الكتاب الإذن في أكلها من غير تقييد؛ لقوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا} الحج : 28، ويمكن أن يقال: إنه تخصيص لا نسخ، وهو الأظهر. كوثر المعاني الدراري (13/ 421- 422).
وينظر للفائدة الروايات الأخرى (هنا) و (هنا)