«لِيأكُلْ أحدُكُمْ بيمينهِ، وليشرَبْ بيمينهِ، وليأخُذْ بيمينهِ، وليُعطِ بيمينهِ، فإنَّ الشيطانَ يأكلُ بشمالهِ، ويشربُ بشمالهِ، ويُعْطِي بشمالهِ، ويأخذُ بشمالِهِ».
رواه ابن ماجه برقم: (3266) واللفظ له، والطبراني في الأوسط برقم: (6775)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (384)، صحيح ابن ماجه برقم: (3266).
مختصر شرح الحديث
.
شرح الحديث
قوله: «ليأكل أحدكم بيمينه، وليشرب بيمينه»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«ليأكل أحدكم بيمينه» قال العراقي: هذا خرج مخرج الغالب في أكل كل أحد بيده، فلو أطعمه غيره بشماله كان داخلًا في النهي، بدليل خبر: «لا تأكلوا بالشمال». فيض القدير (1/ 298).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ليأكل أحدكم بيمينه، ويشرب بيمينه» الأمر للندب مؤكدًا، والأصل الوجوب، وقد أوضحناه في حاشية ضوء النهار، واخترنا: الإيجاب في الأكل والشرب باليمين. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 206).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذا الأمر على جهة الندب؛ لأنَّه من باب تشريف اليمين على الشمال؛ وذلك لأنها أقوى في الغالب، وأسبق للأعمال، وأمكن في الأشغال، ثم هي مشتقة من اليُمْن والبركة.
وقد شرَّف الله تعالى أهل الجنة بأن نسبهم إليها، كما ذمَّ أهل النار حين نسبهم إلى الشمال، فقال: {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} الواقعة: 8، وقال: {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} الواقعة 90-91، وقال عكس هذا في أصحاب الشمال.
وعلى الجملة: فاليمين وما نسب إليها وما اشتق عنها محمود لسانًا وشرعًا ودنيًا وآخرةً، والشمال على النقيض من ذلك، حتى قد قال شاعر من العرب:
أَبِيني أفي يُمنى يديك جَعَلتني *** فأفرح أم صيرتني في شمالكِ.
وإذا كان هذا، فمن الآداب المناسبة لمكارم الأخلاق، والسيرة الحسنة عند الفضلاء: اختصاص اليمين بالأعمال الشريفة، والأحوال النظيفة، وإن احتيج في شيء منها إلى الاستعانة بالشمال فبحكم التبعية.
وأما إزالة الأقذار، والأمور الخسيسة؛ فبالشمال؛ لما يناسبها من الحقارة والاسترذال. المفهم (5/ 295-296).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال شيخنا (العراقي) في شرح الترمذي: حمله أكثر الشافعية على الندب، وبه جزم الغزالي، ثم النووي، لكن نَصّ الشافعيُّ في الرسالة، وفي موضع آخر من الأُمّ على الوجوب.
قلتُ: وكذا ذكره عنه الصيرفي في شرح الرسالة، ونقل البويطي في مختصره أن الأكل من رأس الثريد، والتعريس على الطريق، والقِرَان في التمر، وغير ذلك، مما ورد الأمر بضدّه حرام، ومثَّل البيضاويّ في منهاجه للندب بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «كُلْ مما يليك».
وتعقَّبه تاج الدين السبكي في شرحه بأن الشافعيّ نَصّ في غير موضع على أن من أكل مما لا يليه عالِمًا بالنهي كان عاصيًا آثمًا، قال: وقد جمع والدي -يعني: تقي الدين السبكي- نظائر هذه المسألة في كتاب له سماه: كشف اللبس عن المسائل الخمس، ونصر القول بأن الأمر فيها للوجوب.
قلتُ: ويدلّ على وجوب الأكل باليمين ورود الوعيد في الأكل بالشمال، ففي صحيح مسلم من حديث سلمة بن الأكوع: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا يأكل بشماله، فقال: «كُلْ بيمينك» قال: لا أستطيع، قال: «لا استطعتَ»؛ فما رفعها إلى فيه بَعْدُ.
وأخرج الطبراني من حديث سُبيعة الأسلمية، من حديث عقبة بن عامر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى سبيعة الأسلمية تأكل بشمالها، فقال: «أخذها داء غَزّة»؛ فقال: إن بها قرحةً، قال: «وإن» فمرّت بغزّة، فأصابها طاعون، فماتت، وأخرجه محمد بن الربيع الجيزيّ في مسند الصحابة الذين نزلوا مصر، وسنده حسن.
وثبت النهي عن الأكل بالشمال، وأنه من عمل الشيطان، من حديث ابن عمر، ومن حديث جابر عند مسلم، وعند أحمد بسند حسن عن عائشة رفعته: «من أكل بشماله أكل معه الشيطان...» الحديث. فتح الباري (9/522).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وأخذ جمعٌ حنابلة ومالكية وظاهرية من التعليل به (بكون الشيطان يفعل ذلك): حُرمة أكله أو شربه، أو أخذه أو إعطائه بها (الشمال) بلا عذر؛ لأن فاعل ذلك إما شيطانٌ أو شبيه به. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 79).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
ولا يحل لأحد أنْ يأكل بشماله، إلا أن لا يقدر فيأكل بشماله. المحلى بالآثار (6/ 103).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الأرجح قول من قال بوجوب الأكل باليمين، وتحريمه بالشمال؛ لقوة أدلة ذلك، فإن الأحاديث بعضها بصيغة الأمر، وبعضها بصيغة النهي، والأول للوجوب، والثاني للتحريم، ومما يؤكد ذلك دعاؤه -صلى الله عليه وسلم- على ذلك الرجل بقوله: «لا استطعت» واستجيبت دعوته، فما رفع يده بعد، فمثل هذا الدعاء لا يكون إلا لترك واجب، أو ارتكاب محرم، فتبصَّر بالإنصاف -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (34/ 121).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وقد نُهِيْنَا عن اتباع خطوات الشيطان، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} النور: 21؛ ولهذا كان القول الراجح: وجوب الأكل باليمين، ووجوب الشرب باليمين، وأن الأكل بالشمال أو الشرب بالشمال حرام. شرح رياض الصالحين (3/ 170-171).
قوله: «وليأخذ بيمينه، وَلْيُعْطِ بيمينه»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«وليأخذ» كل متناول «بيمينه، وَلْيُعْطِ» كل عطاء من صدقة وغيرها، وفيه تأييد لما قيل: من انقلاب حديث: «حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله»، وأنه انقلب على بعض الرواة، وأصله: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» إِذِ الإنفاق لها «بيمينه»، وحاصله: كل عمل شريف فإنه باليمين، كما قالت عائشة: «كان -صلى الله عليه وسلم- يحب التيامن ما استطاع في طهوره وتنعُّله وترجُّله (ترجيل شعره وتسريحه ودهنه)، وفي شأنه كله». التنوير شرح الجامع الصغير (1/ 594).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
«وليأخذ بيمينه» ما يعطاه «وليعط بيمينه»؛ لأن اليمين هي المناسبة للأعمال الشريفة، والأحوال المحمودة، وتقدم حديث عائشة في ذلك. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 206).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«وليأخذ بيمينه، وَلْيُعْطِ بيمينه» أي: ما شَرُفَ كمصحف وطعام، أما المستقذر وقلْمُ الظفر ونحوه فباليسار. السراج المنير شرح الجامع الصغير (1/ 98).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وليأخذ بيمينه، وليعط بيمينه» لأن من حق النعمة القيام بشكرها، وحق الكرامة أن تتلقى باليمين، فيكره بالشمال بلا عذر. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 79).
وفي صحيح مسلم -رحمه الله- في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-:
قال (القاسم بن عبيد الله): وكان نافعٌ يزيد فيها (أي: الشمال): «ولا يأخذُ بها، ولا يُعْطِي بها». صحيح مسلم (3/ 1599).
وقال محمد الأُبي -رحمه الله-:
قوله: «وكان نافع يزيد» قلتُ: انظر هل يزيد ذلك مرفوعًا مسندًا؟ وأظن أنَّ عبد الحق (الإشبيلي) ذكر ذلك مرفوعًا، لكن من غير طريق نافع. إكمال إكمال المعلم (5/334).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله- معلقًا:
قلتُ: قد أخرج ابن حبان عن أبي قتادة: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يعطي الرجل بشماله شيئًا أو يأخذ بها» (وأيضًا يشهد له حديث أبي هريرة هذا) ...
قوله: «ولا يأخذ بها، ولا يعطي» يعني: كان لا يستعمل اليد اليسرى في الأخذ والإعطاء، وإنما كان يفعل ذلك بيمينه وهو الأدب... وفي بعض الهوامش قوله: «وكان نافع يزيد فيها ولا يأخذ...»، إن كان مرفوعًا مسندًا يلزم الجزم فيهما عطفًا على النهيين السابقين، لكن جميع النسخ الموجودة من المطبوعة وغيرها مكتوب بالرفع كما ترى؛ ولهذا أبقيناهما على حالهما -والله أعلم-. الكوكب الوهاج (21/ 144).
وقال النووي -رحمه الله-:
وقد زاد نافع (يعني: في حديث ابن عمر في مسلم): الأخذ والإعطاء، وهذا إذا لم يكن عذر؛ فإن كان عذر يمنع الأكل والشرب باليمين من مرض أو جراحة، أو غير ذلك فلا كراهة في الشمال. شرح مسلم (13/191-192).
قوله: «فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله، ويعطي بشماله، ويأخذ بشماله»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله، ويعطي بشماله، ويأخذ بشماله»، ومخالفته مرادة لله تعالى. التنوير شرح الجامع الصغير (1/594).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «فإن الشيطان يأكل...» أي: فينبغي للمسلم أن يخالف فعله، والحديث على حقيقته؛ إذ لا بُعْد في أكل الشيطان وشربه، وأنْ يكون له يدان، وقيل: المراد أولياؤه. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (2/303).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «فإنَّ الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله» ظاهره: أنَّ مَن أكل بشماله تشبَّه بالشيطان في ذلك الفعل؛ إذ الشيطان بشماله يأكل، وبها يشرب، ولقد أبعد وتعسَّف من أعاد الضمير في (شماله) على الآكل. المفهم (5/ 296).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
حمل قوم هذا الحديث وما كان مثله على المجاز في أكل الشيطان وشُربه، قالوا: المعنى فيه: أن الأكل بالشمال يحبه الشيطان كما قيل في الخمر: زينة الشيطان، وفي الاقتعاط بالعمامة (وهو أنْ يعتم ولا يجعل منها شيئًا تحت ذقنه): عِمَّة الشيطان، أي: أن الشيطان يرضاها ويزينها، وكذلك يدعو إلى الأكل بالشمال ويزينه؛ ليواقع المرء ما نهي عنه.
وهذا عندي ليس بشيء، ولا معنى لحمل شيء من الكلام على المجاز إذا أمكنت فيه الحقيقة بوجه ما، وفي هذا الحديث: نص بأن الشيطان يأكل ويشرب.
ومن الدليل أيضًا على أن من الشياطين من يأكلون ويشربون: قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث الاستنجاء: «إن ذلك زاد إخوانكم من الجن»، وفي حديث آخر: «إن طعام الجن: ما لم يُذكر اسم الله عليه، وما لم يُغسل من الأيدي والصحاف، وشرابهم الجَدَف»، وهو الرغوة والزَّبَد، وهذه الأشياء لا تدرك بقياس ولا اعتبار، ولا يصح فيها تكييف.
وقد قيل: إن أكل الشيطان تَشَمُّمٌ واسترواح لا مضغ ولا بلع، وإنما المضغ والبلع لذوي الجثث، فيكون شمه واسترواحه من قبل الشمال. الاستذكار (8/ 342- 343).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
أقول: تحريره أن يقال: لا يأكلن أحدكم بشماله ولا يشربَنَّ بها؛ فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم أولياء الشيطان؛ فإن الشيطان يحمل أولياءه من الإنس على ذلك. الكاشف عن حقائق السنن (9/2839).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معقبًا على كلام الطيبي:
وفيه عدول عن الظاهر، والأولى: حمل الخبر على ظاهره، وأن الشيطان يأكل حقيقة؛ لأن العقل لا يحيل ذلك، وقد ثبت الخبر به؛ فلا يحتاج إلى تأويله. فتح الباري (9/522).
وقال المناوي -رحمه الله- متعقبًا أيضًا:
«فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله، ويأخذ بشماله» حقيقةً في الكل؛ لأن العقل لا يحيل ذلك، فلا مُلْجِئ لتأويل الطيبي على أن المراد: يحمل أولياءه من الإنس على ذلك؛ ليضاد به عباد الله الصالحين. فيض القدير (5/ 348).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
المعنى: أنه يحمل أولياءه من الإنس على ذلك الصنيع؛ ليضاد به عباد الله الصالحين، ثم إن من حق نعم الله، والقيام بشكره أن تكرم، ولا يستهان بها، ومن حق الكرامة أن تتناول باليمين، ويميز بها بين ما كان من النعمة وبين ما كان من الأذى. الميسر في شرح مصابيح السنة (3/ 952).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
لما جُعلت الشمال للاستنجاء ومباشرة الأنجاس، واليمنى لتناول الغذاء، لم يصلح استعمال أحدهما في شغل الأخرى؛ لأنه حَطٌّ لرتبة ذي الرتبة، ورفع للمحطوط، فمن خالف ما اقتضته الحكمة وافق الشيطان. كشف المشكل (2/ 595).
وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا)