«إذا المسلمانِ، حَمَلَ أحدُهُما على أخيهِ السلاحَ، فهُما على جُرْفِ جهَنَّمَ، فإذا قَتَلَ أحدُهُما صاحبهُ، دخَلَاها جميعًا».
رواه مسلم برقم: (2888)، من حديث أبي بَكْرَةَ -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«جُرُفِ»:
هكذا هو في معظم النُّسخ جُرُف بالجيم، وضمِّ الراء، وإسكانها، وفي بعضها: (حَرْف) بالحاء، وهما متقاربتان، ومعناه: على طرفها، قريب من السُّقوط فيها.شرح صحيح مسلم،للنووي(18/ 12).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
الجرف: جانب الوادي الذي يتجرف بالسَّيل، أي: يتهدَّم أو يخاف عليه ذلك. كشف المشكل (2/ 15).
شرح الحديث
قوله: «إذا المسلمان حَمل أَحدهما على أخيه السلاح، فهُما على جُرُفِ جهنم»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه» أي: لأجل قتل أخيه المسلم «السلاح» كالسَّيف والرِّماح، والفاء في قوله: «فهما على جُرُفِ» وطرفِ حفيرة «جهنم» رابطة لجواب إذا الشَّرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية؛ والتَّقدير: إذا حمل أحد المسلمين السِّلاح؛ أي: آلة القتل لأجل قتل أخيه. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (23/385- 386).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله- أيضًا:
«إذا المسلمان حمل أحدهما» أي: كُلُّ منهما «على أخيه السلاح» ليقتله «فهما» أي: فكُلُّ منهما «على جرف جهنم» أي: على طرف جهنم. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (26/ 90).
وقال المُظْهِري -رحمه الله-:
يعني: إذا حمل مسلمٌ على أخيه المسلم السِّلاح فهما قريبان من الهلاك، فكأنهما أوقفا في حرف جهنم، ومعلوم أن مَنْ وقف على حرف الوادي فهو متعرِّض للسُّقوط فيه. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 232).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فهما في جُرفِ جهنمَ» أي: متعرِّضان للهلاك، كأنهما وقَفَا في حرف جهنم، أي: في طرفها. شرح المصابيح (4/ 172).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فهما» أي: فحامل السِّلاح وأخوه الذي حمل السِّلاح لأجل قتله كائنان يوم القيامة «على جرف جهنم» أي: على جانبها القريب السُّقوط في داخلها.
وفي رواية: «على حرف جهنم»، أي: على جانب جهنم، وكلاهما كناية عن قربهما إلى جهنم. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (23/ 385-386).
قوله: «فإذا قتل أحدهما صاحبه، دخلاها جميعًا»:
قال المظهري -رحمه الله-:
الفاء في «فإذا» جواب شرط مقدَّر؛ يعني: إذا ثبت ذلك، فإذا قتل أحد المسلمَيْن صاحبه يدخلان جميعًا في جهنم؛ أمَّا دخول القاتل في النار فظاهر، وأمَّا دخول المقتول فلشغفه على قتل صاحبه واهتمامه بذلك. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 232).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«فإذا قتله وقعا فيها جميعًا» أمَّا القاتل فظاهر، وأمَّا المقتول فلقصده قتل أخيه؛ فإن لم يقصد قتله فهو شهيد، فالحديث محمول على ما إذا قصد كُلٌّ منهما قتل صاحبه. السراج المنير شرح الجامع الصغير (1/ 90).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
وقوله: «دخلاها جميعًا» هذا إذا لم يكن أحدهما على الحقِّ، وإلا فالدَّاخل هو الذي يكون على الباطل، وهو أيضًا على تقدير أن لا يكون صادرًا عن اشتباه والتباس، وبالجملة: المراد الزَّجر والتَّشديد والمبالغة، واللَّه أعلم. لمعات التنقيح (6/ 348).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلاها» أي: دخلا جهنم حالة كونهما «جميعًا» أي: مجتمعين على الدُّخول فيها؛ والمعنى: دخل القاتل والمقتول جهنم؛ يعني: أنهما مستحِقَّان لها؛ أمَّا القاتل فبالقتل الحرام، وأمَّا المقتول فبالقصد الحرام، والمستحِقُّ للشيء قد يعفى عنه، وإن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
فأمَّا مَنِ اعتقد استحلال دم المسلم بغير سبب ولا تأويل فهو كافر، وهذا؛ أي: كونُهما في النار، محمول على مَنْ لا تأويل له، ويمكن قتالهما عصبيَّة أو وطنيَّة، وليس المراد: خلودهُما في النار، وإنما المراد: دخولُهما فيها؛ لارتكابهما معصيةَ المقاتلةِ بغير مجوِّز شرعيٍّ، قاله القاضي عياض. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (23/ 386).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال العلماء: معنى كونهما في النار أنهما يستحِقَّان ذلك، ولكن أمْرهما إلى اللَّه تعالى، إن شاء عاقبهما، ثم أخرجهما من النار، كسائر الموحِّدين، وإن شاء عفا عنهما، فلم يعاقبهما أصلًا، وقيل: هو محمول على مَنِ استحلَّ ذلك، ولا حُجَّة فيه للخوارج، ومَنْ قال من المعتزلة: بأن أهل المعاصي مُخلَّدون في النار؛ لأنه لا يلزم من قوله: «فهما في النار» استمرار بقائهما فيها.
واحتَجَّ به (يعني بالحديث) مَنْ لم يرَ القتال في الفتنة، وهُم كُلُّ مَنْ ترك القتال مع علي -رضي الله عنه- في حروبه، كسعد بن أبي وقاص، وعبد اللَّه بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأبي بكرة وغيرهم -رضي الله عنهم-. وقالوا: يجب الكفُّ حتى لو أراد أحد قَتْله لم يدفعه عن نفسه، ومنهم من قال: لا يدخل في الفتنة، فإن أراد أحد قتله دفع عن نفسه.
وذهب جمهور الصَّحابة والتَّابعين إلى وجوب نصر الحقِّ، وقتال الباغين، وحَمَل هؤلاء الأحاديث الواردة في ذلك على مَنْ ضَعُف عن القتال، أو قَصُر نظره عن معرفة صاحب الحقِّ.
واتَّفق أهل السُّنَّة على وجوب منع الطَّعن على أحد من الصَّحابة -رضي الله عنهم- بسبب ما وقع لهم من ذلك، ولو عُرف المحِقُّ منهم؛ لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفا اللَّه تعالى عن المخطئ في الاجتهاد، بل ثبت أنه يؤجر أجرًا واحدًا، وأن المصيب يؤجر أجرين، وحَمَل هؤلاء الوعيد المذكور في الحديث على مَنْ قاتل بغير تأويل سائغ، بل بمجرَّد طلب المُلك، ولا يَرِد على ذلك منع أبي بكرة الأحنف من القتال مع علي -رضي الله عنه-؛ لأن ذلك وقع عن اجتهاد من أبي بكرة أدَّاه إلى الامتناع والمنع؛ احتياطًا لنفسه، ولمن نصحه. فتح الباري (13/ 33- 34).
قال النووي -رحمه الله-:
اعلم أن الدَّماء التي جرت بين الصحابة -رضي الله عنهم- ليست داخلة في هذا الوعيد، ومذهب أهل السُّنة والحق: إحسان الظِّن بهم، والإمساك عمّا شجر بينهم، وتأويل قتالهم، وأنهم مجتهدون متأولون، لم يقصدوا معصية ولا محض الدُّنيا، بل اعتقد كُل فريق أنه المحق، ومخالفُه باغٍ، فوجب عليه قتاله؛ ليرجع إلى أَمر الله. وكان بعضهم مصيبًا، وبعضهم مخطئًا معذورًا في الخطأ؛ لأنه لاجتهاد، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه. وكان عليٌّ رضي الله عنه هو المحق المصيب في تلك الحروب، وهذا مذهب أهل السنة.
وكانت القضايا مشتبهة، حتى إنّ جماعة من الصحابة تحيروا فيها، فاعتزلوا الطائفتين، ولم يقاتلوا، ولم يتيقنوا الصواب، ثم تأخروا عن مُساعدة أَيٍّ منهم. شرح صحيح مسلم(18/ ١١).