«مَن حفِظَ عشرَ آياتٍ من أولِ سورةِ الكهفِ عُصِمَ من الدَّجالِ».
رواه مسلم برقم: (809)، من حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه-.
وفي لفظ له: «...من آخر الكهف».
وفي رواية أحمد برقم: (27516) بلفظ: «مَن قرأ عشر آيات من آخر الكهف...».
وفي لفظ لأبي داود برقم: (4323)، والنسائي برقم: (10721) «..عُصم من فتنة الدّجال».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«الكهف»:
المغار في الجبل، فإن صُغِّر فهو غار. كشف المشكل لابن الجوزي (2/ 165).
«عُصِم»:
مُنع، ووُقي. القاموس المحيط (ص:1138).
«الدَّجال»:
الكذَّاب، وقد اشتهر عند الإطلاق بالذي يخرج في آخر الزَّمان. كشف المشكل، لابن الجوزي (2/ 165).
شرح الحديث
قوله: «مَن حَفِظ..»:
قال الدهلوي -رحمه الله-:
ظاهره: أن العِصمة جزاء الحفظ من غير أن يقرأ، ويحتمل: أن يكون المراد قرأ، فإن الحفظ إنما يكون للقراءة. لمعات التنقيح (4/ 549).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: من حفظ عشر آيات من أوَّلِ سورة الكهف وقرأها، حفظه الله تعالى من فتنة الدَّجال ببركتها. المفاتيح في شرح المصابيح (3/78).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
كأنّ المراد حفظًا في القلب. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 205).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
جاء بيان المراد من حفظها فيما أخرجه مسلم في (كتاب الفتن) وأبو داود في (الملاحم) من حديث النواس بن سمعان الكلابي -رضي الله عنه- في حديث الدَّجال الطويل، وفيه: «فمن أدركه منكم، فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف» هذا لفظ مسلم، ولفظ أبي داود: «فمن أدركه منكم، فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، فإنها جواركم من فتنته».
فقد أوضح في هذا الحديث أن المراد ليس حفظها فقط، بل لا بُدَّ من قراءتها في وجهه. البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (16/ 386).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -رحمه الله-:
«مَن حفِظ عشر آيات..» والحديث الذي مرَّ فيه أنه يقرأ عليه فواتح سورة الكهف، ومعلوم أن الإنسان الحافظ يتمكَّن من القراءة حيث شاء ومتى أراد، بخلاف الذي لا يحفظ فإنه لا يتيسَّر له ذلك إلا أن يكون المصحف أمامه يقرأ فيه...
إذًا: فالمراد مَنْ حفظها وقرأها، وقد مرَّ أنّ مَنْ وجده أو أدركه فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، فإن ذلك جوار له، أي: أمان له من فتنة الدَّجال. شرح سنن أبي داود (485/ 18).
قوله: «عشر آيات»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وفي رواية للترمذي: «مَن قرأ ثلاث آيات من أَوَّل الكهف عُصِمَ من فتنة الدَّجال» قيل: وجه الجمع بين الثَّلاث وبين العشر أنّ حديث العشر متأخِّر، ومَنْ عمل بالعشر فقد عمل بالثَّلاث، وقيل: حديث الثَّلاث متأخِّر، ومَنْ عُصِمَ بثلاث فلا حاجة إلى العشر، وهذا أقرب إلى أحكام النَّسخ، قال ميرك: بمجرد الاحتمال لا يحكم بالنَّسخ، وأنا أقول: النَّسخ لا يدخل في الأخبار.
وقيل: حديث العشر في الحفظ، والثَّلاث في القراءة، فمن حفظ العشر وقرأ الثلاث كُفِيَ وعُصِمَ من فتنة الدَّجال.
وقيل: من حفظ العشر عُصِمَ من لقيه، ومَنْ قرأ الثَّلاث عُصِمَ من فتنته إن لم يلقه.
وقيل: المراد من الحفظ القراءة عن ظهر القلب، والمراد من العِصمة الحفظ من آفات الدَّجال. مرقاة المفاتيح (4/ 1465).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
ولا منافاة بين رواية الثَّلاث الآيات، والعشر الآيات؛ لأن الواجب العمل بالزِّيادة، فيقرأ عشر آيات من أوَّلِها، وأمَّا اختلاف الرِّوايات بين أن تكون العشر من أوَّلِها، أو من آخرها، فينبغي الجمع بينها بقراءة العشر الأوائل، والعشر الأواخر، ومَنْ أراد أن يحصل على الكمال، ويَتِمَّ له ما تضمَّنته هذه الأحاديث كُلُّها، فليقرأ سورة الكهف كُلَّها يوم الجمعة، ويقرأها كُلَّها ليلة الجمعة. تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين (ص: 406).
وقال المباركفوري -رحمه الله-:
وفيه أنه وقع في رواية النسائي: «مَن قرأ العشر»، وهي تنافي هذا الجمع. مرعاة المفاتيح (7/ 199).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُعلِّقًا:
رواية «ثلاث آيات» شاذَّة، فلا داعي إلى التَّكلُّف للجمع بما ذُكر، فتنبَّهْ والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (16/ 388).
قوله: «مِن أول سورة الكهف»:
قال ابن القيم -رحمه الله-:
«مَن قرأ عشر آيات من أوَّلِ سورة الكهف عُصِمَ من فتنة الدَّجال» رواه مسلم، واختلف فيه، فقال بعض الرُّواة: «من أوَّلِ سورة الكهف»، وقال بعضهم: «من آخرها»، وكلاهما في الصَّحيح، لكن التَّرجيح لمن قال: «من أول سورة الكهف»؛ لأن في (صحيح مسلم) من حديث النواس بن سمعان في قصة الدَّجال: «فإذا رأيتموه فاقرأوا عليه فواتح سورة الكهف»، ولم يختلف في ذلك، وهذا يدلُّ على أن مَن روى العشر من أوَّل السُّورة حفظ الحديث، ومَن روى من آخرها لم يحفظه. جلاء الأفهام (1/ 378).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الذي يظهر لي أن رواية «من أول الكهف» أرجح؛ لكثرة رواتها، وهم: هشام الدستوائي وشعبة في رواية وهمام وسعيد بن أبي عروبة وشيبان بن عبد الرحمن النحوي، ولم يقل: «من آخر الكهف» إلَّا شعبة في رواية، وتابعه هشام في رواية. البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (16/ 386).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -رحمه الله-:
وقد جاء في بعض الرِّوايات أنه يقرأ خواتيم سورة الكهف، ولكن الرِّوايات التي في الفواتح أكثر وأصحُّ، ومنها: حديث النواس بن سمعان الذي مرَّ قبل حديث أبي الدرداء.
الأوَّلُ لفظه: «مَن حفظ عشر آيات من أوَّلِ سورة الكهف»، والآخر: «من حفظ من خواتيم»، والأَوَّل هو أرجح. شرح سنن أبي داود (485/ 18).
قوله: «عُصِم من الدَّجال»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
أي: حُفظ مِن شَرِّهِ. شرح المصابيح (3/ 25).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«عُصِمَ» أي: حفظ «مِن الدَّجال» أي: من شرِّه، وفي رواية: «من فتنة الدَّجال». مرقاة المفاتيح (4/ 1465).
وقال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«عُصِم» بصيغة المجهول، أي: وُقِيَ وحُفِظَ «من فتنة الدَّجال» أي: من آفاته. عون المعبود (11/ 303).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
التَّعريف فيه (الدَّجال) للعهد، وهو الذي يخرج في آخر الزَّمان يدَّعي الألوهيَّة إمَّا نفسه، أو يراد به مَنْ شابهه من فعله، ويجوز أن يكون للجنس؛ لأن الدَّجال مَنْ يكثر من الكذب والتَّلبيس، ومنه الحديث: «يكون في آخر الزَّمان دجَّالون» أي: كذَّابون مُموِّهون. شرح مشكاة المصابيح (5/1648).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
«من الدَّجال» أي: المعهود، أو كُلُّ كذَّاب مُلبِّس، والدَّجل في اللغة: الكذب والخيانة، والخداع والتَّلبيس. لمعات التنقيح (4/ 549).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
الدَّجال هو الذي يظهر في آخر الزَّمان يدعي الألوهيَّة، مأخوذ من الدَّجل، وهو تمويه الشَّيء، وسُمِّي الكذَّاب دجّالًا منه. فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب (7/ 189).
وقال النووي -رحمه الله-:
قيل: سبب ذلك ما في أوَّلِها من العجائب والآيات، فمَنْ تدبَّرها لم يفتتن بالدَّجال، وكذا في آخرها. شرح النووي على مسلم (6/ 93).
وقال المناوي -رحمه الله-:
لِمَا في قصة أهل الكهف من العجائب، فمَنْ علمها لم يستغرب أمر الدَّجال، فلا يفتن، أو لأن مَن تدبَّر هذه الآيات، وتأمَّل معناها حَذَرَه، فأَمِنَ منه، أو هذه خصوصية أُودِعتْ في السورة، ومِنْ ثَمَّ ورد في رواية: «كُلَّها»، وعليه يجتمع رواية «من أَوَّل» و«من آخر»، ويكون ذكر العشر استدراجًا لحفظ الكُلِّ، و«الدَّجال» التَّعريف للعهد أو للجنس؛ لأن الدَّجال من يُكثر الكذب والتَّمويه، وفي خبر: «يكون في آخر الزَّمان دجَّالون».
وفيه: جواز الدُّعاء بالعصمة من نوع معيّن، والممتنع الدُّعاء بمطلقها؛ لاختصاصها بالنبي -صلى الله عليه وسلم- والملك. فيض القدير (6/ 119).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
وجُوِّز على بُعْدٍ كون المراد به الجنس، وهو مَنْ يكثر منه الكذب والتَّدليس. فتح الإله شرح المشكاة (7/115).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
وفي هذا بُعْدٌ (كون المراد بالدَّجال الجنس). دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (6/ 505).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
ويمكن أنْ يُقال: إنَّ أولئك الفتية (أصحاب الكهف) كما عُصِمُوا من ذلك الجبار، كذلك يَعْصِمُ الله القارئ من الجبَّارين. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1648).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
ويُحتمل: أنه إذا عُصِمَ بها عن هذه الفتنة العظماء فعن غيرها بالأَوْلَى، والمراد بالعصمة ألَّا يذهب دينه، وإن ذهبت دُنياه أو سفك دمه. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 205).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وأمَّا تخصيص ذلك بعشر آيات من أوَّلِ الكهف فالذي يظهر لنا فيها من الحكمة أن قوله تعالى: {لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ} الكهف:2، يُهوِّن بأس الدَّجَّال، وقوله: {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا} الكهف: 2، 3، يهوِّن الصَّبر على فتن الدَّجَّال بما يظهر من نعيمه وعذابه، وقوله: {وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} الكهف: 4، وقوله: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} الكهف: 5، فذمَّ من يدَّعي له ولدًا، ولا مثل له، فكيف يدَّعي الإلهيَّة من هو مثل للخلق، فقد تضمَّنت الآيات ما يصرف فتنة الدَّجَّال، إلى قوله: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} الكهف:10، فهؤلاء قوم ابتلوا فصبروا، وسألوا صلاح أمورهم فأُصلحت، وهذا تعليم لكُلِّ مدعو إلى الشِّرك.
ومن روى «من آخر الكهف» فإنّ في قوله تعالى: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ} الكهف:100، ما يهوِّن ما يظهره من ناره، وقوله: {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي} الكهف:101، يُنبِّه على التَّغطية على قلوب تابعي الدَّجَّال، فإنه يكفي في تكذيبه أنه جسم مؤلَّف يقبل التَّجزُّؤ، وفي الآيات: {أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} الكهف:110، والمؤلِّف للأشياء لا يكون مؤلَّفًا، ثُمَّ هو محمول على حمار، وخالق الأشياء يكون حاملًا لها لا محمولًا، ثُمَّ هو معيب بالعور، والصَّانع لا يطرقه عيب، إلى غير ذلك مما تتضمَّنه تلك الآيات مما يدلُّ على كذب الدَّجَّال والكشف عن فتنته. كشف المشكل من حديث الصحيحين (2/ 165).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقوله: «مَن أول سورة الكهف»: قيل: لِمَا في قصة أصحاب الكهف من العجب والآيات، فمَنْ علمها لا يستغرب أمر الدَّجَّال، ولا فتن به، أو يكون هذا من خصائص الله لمن حفظ ذلك، فقد روي: «من حفظ سورة الكهف ثم أدرك الدَّجَّال لم يسلَّط عليه». وعلى هذا تنزُّل الرِّواية الأخرى: «من آخر سورة الكهف» وقيل: لِمَا في قوله: {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء} الكهف:102، وما بعدها، فيه من التَّنبيه على أمر الدَّجَّال والتَّنبيه على المفتونين والأخسرين أعمالًا، وفي آخر الآيات من ذكر التَّوحيد وأن لا يُشرك بالله أحدًا. إكمال المعلم بفوائد مسلم (3/ 177).
وقال القرطبي -رحمه الله-:
واختلف المتأوِّلون في سبب ذلك؛ فقيل: لِمَا في قصة أصحاب الكهف من العجائب والآيات، فمن علمها لم يستغرب أمر الدّجَّال، ولم يَهُلهُ ذلك، فلا يفتتن به، وقيل: لِمَا في قوله تعالى: {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَولِيَاءَ} الكهف:102 إلى آخر السورة، من المعاني المناسبة لحال الدَّجَّال، وهذا على رواية مَنْ روى: «من آخر الكهف». وقيل: لقوله تعالى: {قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأسًا شَدِيدًا مِن لَدُنهُ} الكهف:2؛ تمسُّكًا بتخصيص البأس بالشِدَّة واللدنِّية، وهو مناسب لِمَا يكون من الدَّجَّال من دعوى الإلهيَّة واستيلائه وعظيم فتنته؛ ولذلك عظَّم النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره، وحذّر منه، وتعوّذ من فتنته، فيكون معنى هذا الحديث: أن مَنْ قرأ هذه الآيات وتدبَّرها، ووقف على معناها؛ حَذِرَه، فأَمِنَ من ذلك. وقيل: هذا من خصائص هذه السورة كُلِّها، فقد روي: «من حفظ سورة الكهف، ثم أدرك الدَّجَّال لم يسلَّط عليه».
وعلى هذا تجتمع رواية مَنْ روى: «من أول سورة الكهف» ورواية مَنْ روى: «من آخرها». ويكون ذكر العشر على جهة الاستدراج في حفظها كُلِّها، وقيل: إنما كان ذلك لقوله: {قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأسًا شَدِيدًا مِن لَدُنهُ} الكهف:2؛ فإنه يُهوِّن بأس الدَّجَّال، وقوله: {وَيُبَشِّرَ المُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَعمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُم أَجرًا حَسَنًا} الكهف:2؛ فإنه يُهوِّن الصَّبر على فتن الدَّجَّال بما يظهر من جنَّته وناره، وتنعيمه وتعذيبه. ثم ذمُّه تعالى لمن اعتقد الولد؛ يفهم منه: أن مَنِ ادَّعى الإلهيَّة أَوْلَى بالذَّمِّ، وهو الدَّجَّال، ثم قصة أصحاب الكهف فيها عبرة تناسب العصمة من الفتن؛ وذلك أن الله تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: {رَبَّنَا آتِنَا مِن لَدُنكَ رَحمَةً وَهَيِّئ لَنَا مِن أَمرِنَا رَشَدًا} الكهف:10، فهؤلاء قوم ابتلوا فصبروا، وسألوا إصلاح أحوالهم، فأصلحت لهم، وهذا تعليم لكُلِّ مدعو إلى الشِّرك، ومَنْ روى: «من آخر الكهف»، فلِمَا في قوله تعالى: {وَعَرَضنَا جَهَنَّمَ يَومَئِذٍ لِلكَافِرِينَ عَرضًا} الكهف:100، فإن فيه ما يُهوِّن ما يظهره الدَّجَّال من ناره، وقوله: {الَّذِينَ كَانَت أَعيُنُهُم فِي غِطَاءٍ عَن ذِكرِي} الكهف:101، تنبيه على أحوال تابعي الدَّجَّال؛ إذ قد عَمُوا عن ظهور الآيات التي تُكذِّبه، والله أعلم. المفهم (2/ 439).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
ويُحتمل: أن يكون التَّخصيص بعشر آيات من أَوَّل سورة الكهف لِمَا فيه من ذكر خلاص أصحاب الكهف من شرِّ الكفرة المتجبِّرة. فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب (7/ 188).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
قال الشيخ سراج الدّين البلقيني: الحكمة في اختصاص هذه الآيات بهذه الفضيلة، أنَّه اجتمع فيها من التَّوحيد ونفي الإلهيَّة عن غير الله، وتكذيب من كفر، ما لم يجتمع في غيرها، وذلك في قوله: {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}.. الآية الكهف:14، نقلتُه من خط الشيخ وليّ الدّين العراقي في مجموع له. مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود (3/ 1088).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
1-منها: بيان فضل سورة الكهف، ولا سيّما الآيات العشر منها.
2-ومنها: بيان فضل حفظ العشر الآيات من سورة الكهف، وقد أسلفت أن الأرجح أنها من أَوِّلها.
3-ومنها: بيان عظم فتنة الدَّجَّال بحيث إنه لا ينجو منها إلَّا مَنْ عصمه الله تعالى.
4-ومنها: بيان رأفة النبي -صلى الله عليه وسلم- بأُمَّته، حيث إنه يخبرهم بما سيأتي من الفتن، ولا سيّما الفتن العظام كفتنة الدَّجَّال، ثم يبيّن لهم طريق الوقاية والعصمة من تلك الفتن، وهذا مصداق قوله -عزَّ وجلَّ-: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ } التوبة:128. البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (16/ 386).