«أربعٌ لا تُجْزِئُ في الأضاحي: العوراءُ البَيِّنُ عوَرُها، والمريضةُ البَيِّنُ مرضُهَا، والعرجاءُ البَيِّنُ ظَلْعُهَا، والكسيرُ التي لا تُنْقِي» قال: قلتُ: فإني أكرَهُ أن يكون في القَرْنِ نقصٌ، أو قال: في الأُذُنِ نقصٌ، أو في السِّنِّ نقصٌ، قال: فما كرِهْتَ منه فدَعْهُ، ولا تُحَرِّمْهُ على أحدٍ.
رواه أحمد برقم: (18510)، وأبو داود برقم: (2802)، والترمذي برقم: (1497)، والنسائي برقم: (4369)، وابن ماجه برقم: (3144)، من حديث البراء -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (886)، إرواء الغليل برقم: (1148).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«البَيِّنُ»:
أي: الظاهر. المهيأ في كشف أسرار الموطأ، للكماخي (3/ 183).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
يقال: بَيَّنَ وَتَبَيَّنَ واستبان كلها بمعنى: الوضوح والانكشاف. المصباح المنير، الفيومي (1/ 70).
«ظَلْعُهَا»:
بفتح الظاء المعجمة، وإسكان اللام، أي: عَرَجُهَا، وهي التي لا تلحق الغنم في مشيها. المهيأ في كشف أسرار الموطأ، الكماخي (3/ 183).
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
الظُلَع: بفتح الظاء واللام وسكون اللام أيضًا: العرج. مشارق الأنوار(1/ 329).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
ظَلَعَ البَعيرُ، كمَنَعَ، وكذا الإنسانُ ظَلْعًا: غَمَزَ في مشيه وعَرَجَ. تاج العروس (21/ 469).
«الكَسِير»:
الكَسِيرُ من الشّاء: المُنكسر الرِّجل. العين، الفراهيدي (5/ 308).
«لا تُنْقِي»:
بضم الفوقية، وإسكان النون، وقاف، أي: لا مُخَّ في عظامها، وفي رواية قاسم بن أصبغ: «والكسيرة التي لا تنقي» يريد بها التي لا تقوم ولا تنهض من الهزال. المهيأ في كشف أسرار الموطأ، للكماخي (3/ 183).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
أي: لا نِقْيَ لها وهو المُخ. معالم السنن (2/ 230).
شرح الحديث
قوله: «أربعٌ لا تُجزِئُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «لا تُجزئ» أي: لا تكفي ولا تُسقط مطلوبية الأضحية وجوبًا أو ندبًا عن صاحبها. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (18/ 367).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
واختلف العلماء في مقادير هذه العيوب وما يجوز منها في الضحايا وما لا يجوز، فقال مالك: إذا كان القطع قليلًا والشق لم يضر، فإن كثر لم يجز.
وقال أصحاب الرأي: إذا بقي أكثر من النصف من الأذن والذَّنَب والعين أجزأ.
وقال إسحاق بن راهويه: إذا كان الثلث فما دونه أجزأ، وإن كان أكثر من الثلث لم يجزه. معالم السنن (2/ 231- 232).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
استدل بعض من ذهب إلى إيجاب الضحية فرضًا بهذا الحديث؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- فيه: «أربع لا تجزئ» أو «لا تجوز في الضحايا»، قالوا: فقوله: «لا تجزئ» دليل على وجوبها؛ لأن التطوع لا يقال فيه: لا يجزئ، قالوا: والسلامة من العيوب إنما تُراعى في الرقاب الواجبة، وأما التطوع فجائز أن يُتقرب إلى الله فيه بالأعور، وغيره، قالوا: فكذلك الضحايا.
قال أبو عمر (ابن عبد البر): ليس في هذا حجة؛ لأن الضحايا قُربان سنَّه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يُتقرب به إلى الله -عز وجل- على حسب ما ورد به الشرع، وهو حكم ورد به التوقيف، فلا يتعدى به سُنته -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه محال أن يُتقرب إليه بما قد نُهي عنه على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم-...، أما العيوب الأربعة المذكورة في هذا الحديث فمجتمع عليها، لا أعلم خلافًا بين العلماء فيها، ومعلوم أن ما كان في معناها داخل فيها، ولا سيما إذا كانت العلة فيها أبين، ألا ترى أن العوراء إذا لم تجز فالعمياء أحرى ألا تجوز؟ وإذا لم تجز العرجاء فالمقطوعة الرِّجل أو التي لا رِجْلَ لها المقعدة أحرى ألا تجوز؟ وهذا كله واضح لا خلاف فيه، والحمد لله. التمهيد (12/ 543- 544).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
وقد ذكر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- صفات جامعة من جهة النص ومن جهة السُّنة، وجمعَ ذلك في أربع صفاتٍ؛ ليسهل على السائل حفظها، وأشار بيده (لرواية في حديث البراء هذا: فأشار بيده وقال: «أربع») ليكون في ذلك تذكرة له، ومَنعًا من النِّسيان. المسالك في شرح موطأ مالك (5/ 154).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
احتج السبكي بقوله: «أربع لا تجزئ في الأضاحي» على ما صححه هو وجماعة أن الإجزاء يعم الواجب والمندوب؛ لأن الأضحية سُنة، وقد استُعملت بلفظ الإجزاء، ورجح القرافي (شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي) والأصبهاني (محمد بن محمود السلماني)... أن الإجزاء يختص بالواجب ولا يُستعمل في المسنون، لكن يعكر على استدلال أصحابنا احتجاجهم على إيجاب الاستنجاء بحديث: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار؛ فإنها تجزئ عنه» قالوا: والإجزاء لا يكون إلا عن واجب. شرح سنن أبي داود (12/ 175).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
وهذه العيوب الأربع مجمع عليها، وما في معناها داخل فيها، ولا سيما إذا كانت العلة فيها أَبْيَن، فإذا لم تجز العوراء والعرجاء فالعمياء والمقطوعة الرِّجل أحرى، وفيه أن المرض والعَرَج الخفيفين، والنقطة اليسيرة في العين والمهزولة التي ليست بغاية في الهزال تجزئ في الضحايا، وزعم بعض العلماء أن ما عدا العيوب الأربعة يجوز في الضحايا والهدايا بدليل الخطاب، وله وجه لولا ما جاء عنه -صلى الله عليه وسلم- في الأذن والعين، وما يجب أن يُضم إلى ذلك، وكذلك ما كان في معناها عند الجمهور. شرح الموطأ (3/ 108- 107).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قال العلماء: يُشترط أنْ تكون الأضحية سالمة من العيوب؛ لهذا الحديث، والعيب هنا: كل شيء يضر باللحم، أو ينقصه، (و) قال العلماء: إنما قال: البيِّن ظَلْعُها وعورها ومرضها؛ لأنه إذا كان بها أدنى عَرَج أو عور أو مرض أو عَجَفٍ تجزئ. الأزهار شرح مصابيح السنة مخطوط لوح (187).
قوله: «العوراءُ البَيِّنُ عوَرُها»:
قال السندي -رحمه الله-:
«العوراء» بالمد تأنيث الأعور «البيِّن عَوَرها» بفتحتين ذهاب بصر إحدى العينين، أي: العوراء عَوَرها يكون ظَاهرًا بَينًا. حاشية السندي على سنن النسائي (7/ 214).
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«البيِّن عَوَرها» بفتحتين أي: عَمَاهَا في عين، وبالأَولى في العينين. مرقاة المفاتيح (3/ 1085).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«العوراء» بالمد «بيِّن» بالتنوين «عَوَرُها» لفظ النسائي وابن ماجه: «البيِّن عَوَرُها» وهي التي قد انخسفت عينها وذهبت؛ فإنها لا تُجزئ؛ لأن العين قد ذهبت وهي عضو مستطاب...، والمعنى فيه: الخلل الحاصل في النظر المانع كمال الرَّعي، وأفهم منع العمياء بطريق الأَولى. شرح سنن أبي داود (12/ 175- 176).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «والعوراء البيِّن عورها» يريد -والله أعلم- التي ذهب بصر إحدى عينيها، يقال: عَارَت العين تعار وعَوِرَت إذا ذهب بصرها، ويقال: عين عوراء ولا يقال: عمياء، والشاة إذا عَوِرَت إحدى عينيها مع بقائها لا ينقص ذلك من لحمها وإنما نقص بعض خَلْقِها عن حل السلامة والتمام بمعنى طارئ عليها في الغالب لا يعود ذلك بمنفعة في لحمها، فينبغي أن يُتَّقى في الضحايا ما كان بمعنى ذلك، ونقصان الخلقة على ثلاثة أضرب:
ضَرْبٌ يُنْقِص منافعها وجسمها، فإذا لم يعد بمنفعة في لحمها منع الإجزاء كعدم يد أو رِجْلٍ.
وضربٌ يُنقص المنافع دون الجسم كذهاب بصر العين أو العينين أو ذهاب الميز فما كان له تأثير بيِّن كالعور والعمى والجنون فهو يمنع الإجزاء، ولم أجد نصًا لأصحابنا (أي المالكية) في الجنون.
وأما الضرب الثالث فهو نقصان الجسم دون المنافع كذهاب القرن والصوف وطرف الأذن والذَّنَب فما كان من باب المرض أو مما يُشَوِّه الخِلقة أو ينقص جزءًا من لحمها وجب أن يمنع الإجزاء.
وإذا كان بعين الأضحية بياض فلو كان على الناظر وكان يسيرًا لا يمنعها أن تُبصر، أو كان على غير الناظر لم يمنع الإجزاء رواه ابن المواز في كتابه عن مالك، وأما إن منعها الرؤية لكونه كثيرًا على الناظر فهي العوراء، وكذلك عندي لو ذهب أكثر بصر عينها. المنتقى شرح الموطأ (3/ 84).
وقال السندي -رحمه الله-:
وفيه: أن العور إذا كان خفيفًا لا يَظْهَر، وإنما يتوهمه فلا حاجة إلى أن تعرفه بجد وتكلف. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (2/ 277).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
ويُجزئ الأعمش، وهو ضعيف البصر مع سيلان الدمع غالبًا، والأعشى وهو الذي لا يبصر ليلًا؛ لإبصاره وقت الرَّعي. فتح الإله في شرح المشكاة (5/342).
قال محمد بن الحسن الشيباني -رحمه الله-:
وأما العوراء فإن كان بقي من البصر الأكثر من نصف البصر أجزأت، وإن ذهب النصف فصاعدًا لم تجزئ. موطأ مالك رواية محمد بن الحسن (ص: 214).
قوله: «والمريضةُ البَيِّنُ مرضُهَا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«والمريضة البيِّن مرضها» وهي التي لا تَعْتَلْفُ. مرقاة المفاتيح (3/ 1085).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
وأما المريضة التي لا يرجى برؤها فهي التي بها مرض قد يُئِسَ من زواله؛ لأن ذلك يُنقص لحمها وقيمتها نقصًا كبيرًا، والذي في الحديث: «المريضة البين مرضها»، وهي التي يبين أثره عليها؛ لأن ذلك يُنقص لحمها ويفسده، وهو أصح. المغني (13/ 370).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «والمريضة البين مرضها» قال أبو الحسن (علي بن عمر البغدادي المالكي المعروف بابن القصار): ذلك لمعانٍ:
أحدها: أن المرض نَهَكَ بدنها فيَنْقُصُ لحمها.
والثاني: أنه يُفسده حتى تعافه النفس.
والثالث: أنه ينقص ثمنها.
وهذه المعاني على ما ذكر، فيجب أن يكون على كل غرض يحدث ذلك في النفس يمنع أن يضحي بها، والخَمِرَةُ -وهي البَشِمَةُ- لا تجزئ، وكذلك الجرباء، فما بلغ من ذلك كله حد المرض البين وجب أن يمنع الإجزاء. المنتقى شرح الموطأ (3/ 85).
وقال إمام الحرمين -رحمه الله-:
المريضة إذا هجم عليها مرض بيِّن، وهي كأسمن ما يكون أمثالها، لو ابتُدرت وضُحِّيت فلا وجه للحكم بإجزائها، وإن كانت سمينةً، وكذلك القول في الشاة السمينة التي انكسرت رِجلها، فابتُدرت على وفورها وسمنها، فلا تجزئ التضحية بها، وقد نص الأصحاب على ذلك، وردّدوا القول في أنها إذا أُضجعت على سلامتها، وشُدَّ منها اليدان والرِّجلان، فاضطربت وانكسرت تحت السكين قبل جريان الذبح، فقال بعضهم: لا أثر لهذا التكسير، وقال قائلون: يمتنع إجزاؤها. نهاية المطلب في دراية المذهب (18/ 166).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«والمريضة البيِّن مرضها» وإنْ رُجِيَ زواله، ولو لم يُوجد غيرها، وبين ذلك أنْ يصير اللحم بحيث يضر تناوله، وإن لم يوجد معه هزال، قال إمام الحرمين: بل لو هَجَمَ عليها مرض بيِّن، وهي أسمن ما تكون، فبادروا ذبحها لم يجز؛ لأن التقيد غالب على هذه الصفات، ومن قال: لا يمنع إذا لم يظهر أثره في اللحم، فقد غلط، انتهى. فتح الإله في شرح المشكاة (5/342).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«والمريضة بيّنٌ مرضها» بالتنوين بالرفع، كذا للترمذي، وللنسائي وابن ماجه: «البيِّن مرضها» وهي التي تَبَيَّن أثر المرض عليها، وضابطه ما يظهر بسببه هزال الدابة وفساد لحمها ونقصه، وذكر القاضي (أبو يعلى الحنبلي) أن المراد بالمريضة الجرباء؛ لأن الجَرَب يُفسد اللحم ويهزله إذا كثر، وهذا تقييد للمطلق وتخصيص للعموم بلا دليل، والمعنى يقتضي عموم اللفظ؛ فإنَّ كل المرض يفسد اللحم وينقصه فلا معنى للتخصيص مع عموم اللفظ والمعنى. شرح سنن أبي داود (12/ 176).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«والمريضة البيِّن مرضها» بأيّ مرض كان بشرط وضوحه، فهو عام عَطَف عليه خاصًّا. شرح الموطأ (3/ 107).
قوله: «والعرجاءُ البَيِّنُ ظَلعها»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«العرجاء» بالنصب بدلًا من أربع، ويجوز الرفع على أنه خبر... «البين» بالوجهين أي: الظاهر «ظَلْعُهَا» بسكون اللام وبفتح أي: عَرَجها وهو أن يمنعها المشي. مرقاة المفاتيح (3/ 1085).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
ويُؤثر (العَرَج) البيِّن، وإنْ حدث قبل الذبح. فتح الإله في شرح المشكاة (5/341).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قوله: «العرجاء البين ظلعها» العَرَج على ضربين:
ضرب يمنع الإجزاء.
وضرب لا يمنعه.
فأمّا ما يمنعه فقد قال ابن الجلاب (عبيد الله بن الحسين المالكي): هي الشديدة العرج التي لا تلحق الغنم، فهذه التي لا تجزئ.
وقال أبو حنيفة: تجزئ؛ وذلك مبني على قوله: «العرجاء البين عرجها» ولا شك أنها تمشي، وأما الّتي لا تمشي فلا يقالُ فيها: عرجاء؛ لأنْ العرج من صفات المَشْي.
ومن جهة القياس: أنها مريضة فوجب ألا تجزئ، أصله المريضة البين مرضها.
وأما العرج الخفيف فلا بأس به، وروى ابن حبيب عن مالك أنه استخفَّها إذا لم يمنعها أن تمشي بسير الغنم؛ وذلك صحيح؛ لأن عرج هذه ليس ببيِّن. المسالك في شرح موطأ مالك (5/ 157).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
قوله: «العرجاء البين ظَلْعُها» بإسكان اللام وفتحها، أي: البين عرجها. مطالع الأنوار (3/ 308).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
والبيِّنة العَرَج هي التي عَرَجُها فاحش بحيث يمنعها من اللحاق بالغنم، فتسبقها المواشي إلى الكلأ الطيب، فترعاه ولا تدركه معهن فينقص لحمها، فإن كان عرجًا يسيرًا لا يُفضي بها إلى ذلك أجزأت. شرح سنن أبي داود (12/ 177).
وقال السندي -رحمه الله-:
«ظَلْعُها» المشهور على ألسنة أهل الحديث فتح الظاء واللام، وضبطه أهل اللغة بفتح الظاء وسكون اللام وهو العَرَج، قلتُ: كأن أهل الحَدِيث راعوا مُشاكلة العور والمرض. حاشية السندي على سنن النسائي (7/ 214).
وقال المغربي -رحمه الله-:
وقوله: «ظَلْعُها» أي: اعوجاجها. البدر التمام (9/ 402).
قوله: «والكسير التي لا تُنْقِي»:
قال الزرقاني -رحمه الله-:
«والكسيرة التي لا تُنْقِي» يريد التي لا تقوم ولا تنهض من الهزال. شرح الموطأ (3/ 107).
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«والكسير» وهي «التي» كُسِرَ رِجلها فلا تقدر على المشي، فعيل بمعنى مفعول، «لا تُنقِي» بضم المثناة فوق وسكون النون وكسر القاف، وهي التي لا مُخ في عظامها؛ لكثرة هزالها، والنِّقْيُ بكسر النون وسكون القاف هو المُخ الذي في داخل العظم، يقال: نَقَيْتُ العظم ونَقَوْتُه وأَنْقَيْتُه، وفي حديث أم زرع: «لا سمين فيُنْتَقَى» أي: ليس له نِقْيٌ فتستخرج منه للأكل، فالناقة التي لا تنقي لا تصح الأضحية بها؛ لأنها لا لحم فيها إنما هي عظام مجتمعة، فأما إذا كان بها بعض الهزال ولم يذهب مخها أجزأت، كذا أطلقه الأكثرون. شرح سنن أبي داود (12/ 177- 178).
وقال السندي -رحمه الله-:
«والكسيرة» فُسِّر بالمنكسرة الرِّجل التي لا تَقدر على المشي، فعيل: بمعنى مفعول: وفي رواية الترمذي وبعض روايات المصنف (النسائي) كما سيجيء بدلها «العجفاء» وهي المهزولة، وهذه الرواية أظهر، معنى «لا تنقي» مِن أَنْقَى إذا صار ذا نِقْيٍ أي: مخ، فالمعنى: التي ما بقي لها مخ من غاية العَجَف. حاشية السندي على سنن النسائي (7/ 215).
وقال البطليوسي -رحمه الله-:
«لا تُنْقِي» أي: ليس فيها نِقْيٌ وهو المخ، وإنما يَهْرَمُ المخ عند إفراط الهزال، فيصير كأنه ماء. مشكلات موطأ مالك بن أنس (ص: 148).
وقال المظهري -رحمه الله-:
أَنْقَى يَنْقى: إذا صار ذا مُخٍّ، «لا تُنْقِي» أي: لا يَبْقَى بها نِقْيٌ، وهو المُخُّ، من غاية العَجَف. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 354).
وقال النووي -رحمه الله-:
أجمعوا على أن العَمياء لا تُجزئ، وكذا العوراء البيّن عورها، والعَرجاء البيّن عرجها، والمريضة البيّن مرضها، والعَجفاء.
واختلفوا في ذاهبة القَرن ومكسورته:
فمذهبنا: أنها تُجزئ.
وقال مالك: إن كانت مكسورة القَرن وهو يُدمي، لم تُجزئه، وإلا فتُجزئه.
وقال أحمد: إن ذهب أكثر من نصف قرنها، لم تُجزئه، سواء دُمِيَت أم لا، وإن كان دون النصف، أجزأته.
وأما مقطوعة الأذن:
فمذهبنا: أنها لا تُجزئ، سواء قُطع كلها أو بعضها، وبه قال مالك وداود.
وقال أحمد: إن قُطع أكثر من النصف، لم تُجزئ، وإلا فتُجزئه.
وقال أبو حنيفة: إن قُطع أكثر من الثلث، لم تُجزئ.
وقال أبو يوسف ومحمد: إن بقي أكثر من نصف أذنها، أجزأت.
وأما مقطوعة بعض الألية:
فلا تُجزئ عندنا، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة في رواية: إن بقي الثلث، أجزأت.
وفي رواية أخرى: إن بقي أكثرها، أجزأت.
وقال داود: تُجزئ في كل حال.
وأما إذا أضجعها ليذبحها، فعالجها فأعورت حال الذبح، فلا تُجزئ.
وقال أبو حنيفة وأحمد: تُجزئ. المجموع، شرح المهذب(8/٤٠٤).
أما العيوب الأربعة الأول، فلا نعلم بين أهل العلم خلافا فى أنها تمنع الإجزاء؛ لما روى البراء
قوله: «قال: قلتُ: فإني أكرَهُ أن يكون في القرنِ نقصٌ، أو قال: في الأُذُنِ نقصٌ، أو في السِّنِّ نقصٌ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» عبيد بن فيروز: «قلتُ» للبراء: «فإني أكره أن يكون» فيها «نقص في الأذن» بقطعه أو شقه. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (18/ 367).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قال» عبيد بن فيروز: «قلتُ» للبراء: «فإني أَكره أن يكون في السِّن نقص» أي: ذهب بعض أسنانها، ويقال: هو سقوط الثنية، ويقال: إنه قَلْعُ السنِّ من أصله، وهو قول ابن يونس، زاد النسائي: «وأن يكون في القَرْنِ نقص» وزاد ابن ماجه: «وإني أكره أن يكون في الأذن نقص». شرح سنن أبي داود (12/ 178).
قوله: «قال: فما كرهتَ منه فدعهُ، ولا تُحَرِّمْهُ على أحدٍ»
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قال: ما كرهتَ فدعه، ولا تحرمه على أحد» لفظ النسائي: «ما كرهته» لفظ ابن ماجه: «ما كرهتَ منه»، وفي رواية لغير المصنف (أبي داود): «فإني أكره النقص من القرن ومن الذَّنَب، فقال: اكره لنفسك ما شئت، وإياك أن تضيِّق على الناس». شرح سنن أبي داود (12/ 179).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» البراء لي: «فما كرهتَ منه» أي: من الحيوان الذي يُضَحَّى به بسبب قطع أذنٍ أو كسر سنٍّ أو قلعها «فدعه» أي: فاترك التضحية به، «و» لكن «لا تحرِّمه» أي: لا تحرم التضحية به؛ لنقص أذن أو كسر سنٍّ «على أحد» من الناس الذين يريدون التضحية به؛ لأنه لم يرد النهي عنه؛ أي: عن التضحية بذلك الناقص؛ لنقص أذنه. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (18/ 367).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «ولا تحرمه على أحد» من التحريم، والمراد: لا تقل: إنها لا تجوز عن أحد، وإلا فلا يُتصور التحريم فليتأمل. حاشية السندي على سنن النسائي (7/ 215- 216).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وفيه: دليل على أن العيب الخفيف في الضحايا معفو عنه، ألا تراه يقول: «بيِّنٌ عورها» و«بيِّنٌ مرضها» و«بيِّنٌ ظَلْعُها» فالقليل منه غير بيِّن فكان معفوًا عنه. معالم السنن (2/ 230).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: دليل على أن المرض الخفيف يجوز في الضحايا، والعرج الخفيف الذي تلحق به الشاة الغنم؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «البين مرضها» و«البين ظلعها»، وكذلك النقطة في العين إذا كانت يسيرة؛ لقوله: «العوراء البين عورها»، وكذلك المهزولة التي ليست بغاية في الهزال؛ لقوله: «والعجفاء التي لا تنقي» يريد: التي لا شيء فيها من الشحم، والنِّقْيُ: الشحم. التمهيد (12/ 543- 544).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
ونقل ابن عبد البر أنَّ بعض رواته فسَّره (النِّقي) بأنها التي لا شيء فيها من الشحم، قال: والكسير التي لا ينقي: هي التي لا تقوم ولا تنهض من الهزال. فتح الإله في شرح المشكاة (5/342).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وفيه: حجَّة على أن ذهاب بعض الأسنان يُكره الأضحية بها مع الصحة. شرح سنن أبي داود (12/ 179).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
ولا أعجب ممن يلحق بالأعيان الأربعة في الربا البر والشعير والتمر والملح كل مقتات، ولا يلحق بهذه العيوب الأربعة كل عيب؛ إذ يفهم من هذا الحديث أن المقصود منه السلامة من العيوب الظاهرة البيِّنة دون اليسير الخفي. القبس في شرح موطأ مالك بن أنس (ص: 642).
وقال ابن العربي -رحمه الله- أيضًا:
والعيوب إنما تكون في البدن كله فالمرض يجمعها، أو في الأطراف وهي الرِّجل والذَّنَب والأُذن والقرن، فأما الرِّجْل فقد وقع عليه النص في الحديث، وأما العين فكذلك أيضًا، وأما الأذن... فيها نقص الجمال ولا ينقص الطيب ولا القدر، وأما القرن فلا اختلاف بين العلماء أن الأجم يجزئ لكن القرن زيادة جمال وقَدْرٍ، بخلاف أن يكون كسيرًا فإنه يذهب الجمال فيجزئ حينئذٍ، فإن أدمى كان مرضًا لا يجزئ، وكذلك قال علماؤنا.
وأما الذَّنَب فإنْ نقص منه أقل من الثلث أجزأ، فإن نقص منه الثلث ففي كتاب محمد (ابن المواز) النصف كثير، فجاء من هذا أن الثلث قليل، وعند ابن حبيب وأهل الرأي أن الثلث كثير ولا سيما في أذناب غنم المشرق فإنها هي المقصودة من الحيوان؛ إذ سِمَنُ الغنم كلها في تلك البلاد في أذنابها، ولذتها في تلك الشحوم، حتى ترى الشاة لا تستطيع المشي لعِظَم ذَنَبِهَا، فبهذا المعنى راعى العلماء الذَّنَب وتكلَّموا عليه، فأما بلادنا فلو عُدِمَ الذَّنَب كله ما أثَّر إلا في الجمال خاصة. القبس في شرح موطأ مالك بن أنس (ص: 644- 643).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
والحديث يدل على أن العيب الخفي في الضحايا معفو عنه. شرح المصابيح (2/ 267).
وقال العيني -رحمه الله-:
ويستفاد منه أحكام:
الأول: أن الأضحية لا تجوز بالعوراء والعرجاء القويمة والمريضة والعجفاء التي لا تنقي.
الثاني: استدلت به طائفة على وجوب الأضحية؛ لقوله: «أربع لا تجزئ»؛ لأن قوله: «لا تجزئ» دليل على وجوبها؛ لأن التطوع لا يقال فيه: لا يجزئ، قالوا: والسلامة عن العيوب إنما تراعى في الرقاب الواجبة وأما التطوع فجائز أن يتقرب به إلى الله تعالى بالأعور وغيره.
قلتُ: لا حجة فيه؛ لأن الضحايا قربان سُنَّة رسول الله -عليه السلام- يُتقرب به إلى الله على حسب ما ورد به الشرع، وهو حكم ورد به التوقيف فلا يتعدى به؛ لأنه محال أن يتقرب إليه بما قد نُهي عنه على لسان رسول الله -عليه السلام-.
الثالث: فيه إشارة إلى أن المرض الخفيف لا يمنع التضحية، وكذلك العرج الخفيف الذي تلحق به الشاة الغنم، وكذلك النقطة اليسيرة في العين لا تمنع، وكذلك المهزولة التي ليست بغاية في الهزال. نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار (12/ 493).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
وهذه الثلاثة (العرج، العور، المرض) علة للعجف، وسبب لنقصان لحمها في عظامها، ثم ذكر العجف صريحًا. لمعات التنقيح (3/ 582).
وقال المغربي -رحمه الله-:
الحديث فيه دلالة على أن المانع من إجزاء التضحية هو هذه الأربعة العيوب لا غيرها، وإن كان أشد منها، وقد ذهب إلى هذا الظاهرية، وقوفًا على النص، وذهب الجمهور إلى أنه يقاس عليها ما كان أشد منها من العيوب، أو مساويًا بالقياس؛ وذلك كالعمياء ومقطوعة الساق. البدر التمام (9/ 402).