الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«قلنا: يا رسول الله، نَنْحَرُ الناقة، ونذبح البقرةَ والشَّاةَ، فنجِدُ في بطنها ‌الجنِينَ، أَنُلقِيهِ أم نأكله؟ قال: كُلُوه إن شئتم؛ فإنَّ ذكاتهُ ذكاةُ أُمِّهِ».


رواه أحمد برقم: (11260)، وأبو داود برقم: (2827) واللفظ له، وابن ماجه برقم: (3199).
ورواه الترمذي برقم: (1476) ولفظه: «ذكَاةُ الجَنِيْنِ ذَكَاةُ أُمِّه» كلهم من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
ورواه أبو داود برقم: (2828)، من حديث جابر -رضي الله عنه-.
مشكاة المصابيح برقم: (4093)، صحيح سنن أبي داود برقم: (2516).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«نَنْحَرُ»:
النَّحرُ: في اللَّبَّة (موضع في أسفل الرقبة مما يلي الصدر، بين التراقي) كالذبح في الحَلق. مختار الصحاح، الرازي (ص: 306).
وقال الصقلي -رحمه الله-:
نَحَر البعير نَحرًا: طَعَنَهُ في مَنْحَره. كتاب الأفعال (3/ 243).
وقال إبراهيم الحربي -رحمه الله-:
النَّحر وجءٌ (طعْن) في أصل العنق، والذبح في آخره مما يلي الرأس. غريب الحديث (2/ 444).

«‌الجَنِيْن»:
الولد ما دام في البطن. مختار الصحاح، الرازي (ص: 62).
قال ابن قرقول -رحمه الله-:
الجنين: ما اسْتَتَرَ في بَطْنِ أمِّه، فإن خرج حيًّا فهو ولد، وإن خرج ميتًا فهو سِقْطٌ. مطالع الأنوار (2/ 152).

«ذَكَاة»:
التَّذْكِيَة: الذبح والنحر، يقال: ذَكَّيتُ الشاة تَذْكِيَةً، والاسم الذَّكَاة، والمذبوح ذَكِيٌّ. النهاية، لابن الأثير (2/ 164).


شرح الحديث


قوله: «قلنا: يا رسول الله، نَنْحَرُ الناقةَ، ونَذْبَحُ البقرة والشاة»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قلنا: يا رسول الله، ننحر» أي: نحن «الناقة، ونذبح البقرة والشاة» فيه أن السُّنة في الإبل النَّحر، وهو قطعُ موضع القلادة من الصَّدر، وفي البقرة والشاة الذبح، وهو في الحَلْقِ.
قال الشُّمَنِيُّ: نُدب نحر الإبل، وهو قطع العروق في أسفل العُنق عند الصدر؛ لأنه فيها أيسر؛ لأن العروق مجتمعة لها في المنْحَر، وكُرِهَ ذبحها؛ لأنه خلاف السُّنة، وإنما حصل لحصول المقصود، وهو تَسْيِيل الدم والإعْجَال، والبقر والغنم عكسه فنُدب ذبحها؛ لأن الذبح فيها أيسر، وعروق الذبح فيها مجتمعة في المذْبَح، وكُره نحرها؛ لأنه خلاف السُّنة، وحل لحصول المقصود منه. مرقاة المفاتيح (6/ 2657).

قوله: «فنَجِدُ في بطنها ‌الجَنِيْنَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فنجِدُ» أي: أحيانًا «في بطنها» أي: المذكورات «الجنينَ» أي: الميت، ويحتمل: الإطلاق، ومع وجود الاحتمال لا يتم الاستدلال. مرقاة المفاتيح (6/ 2657).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- أيضًا:
قال الشُّمَنِيُّ: ولا يحِلُّ جنينٌ ميِّتٌ وُجِدَ في بطن أمِّه سواء أَشْعَرَ، أو لم يُشْعِر، وهذا عند أبي حنيفة وزُفَر والحسن بن زياد.
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا تمَّ خَلْقُه حلَّ للحديث؛ ولأنه جزء من أمه حقيقة؛ لأنه متصل بها، ويتغذى بغذائها، ويتنفس بنَفَسِهَا، وحكمًا؛ لأنه يدخل في البيع الوارد عليها، فيكون جَرحها ذكاةٌ له عند العجز عن ذكاته كالصيد بجامع العجز عن الذكاة الاختيارية، ولأبي حنيفة أن الجنين أصل في حق الحياة؛ ولهذا تصحُّ الوصية به، فيجب إفراده بالذكاة؛ ليَخْرُج دمُه، فيطيب لحمه، وليُجعل تبعًا لأمِّه فيها؛ لأن المقصود من ذكاته وهو إخراج دمِه لا يحصل بذبحها، بخلاف جرح الصيد فإنه مُخرج لدَمِهِ فيقوم مقام ذبحه، ومعنى الحديث «كذكاة أمه»، والتشبيه بهذا الطريق، قال الله تعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} آل عمران: 133، ويدل على هذا أنه رُوي «ذكاةَ أمه» بالنصب، أي: يُذكَّى ذكاةً مثل ذَكاةِ أمه. اهـ. مرقاة المفاتيح (6/ 2657).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قال الشيخ أبو إسحاق بعدما ذكر عن الحنفية في استدلالهم بالحديث على ما ذهبوا إليه أن الجنين لا يحل أن يؤكل: فإن قيل: إن المراد مثل ذَكَاةِ أمِّه، كقوله تعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} آل عمران: 133 أراد مثل عَرْضِها، فقال: هذا الحديث يُسقط ما ذكروه؛ ولأن ما جاز أن يَتبع الآدمية في العتق جاز أن يَتبع البهيمة في الذَّكاة حكم الأعضاء، وما جاز أن يتبع الأصل في البيع جاز أن يدخل معه في الذبح كالأعضاء.
قال علماؤنا (الشافعية): الجنين يجري من الأم مجرى الأطراف، ولا خلاف أن الأطراف لا تُفرد بالذكاة، والدليل على أنه يجري مجرى الأطراف: أنه يتبع الأم (الآدمية) في الرِّق والحرية والبيع والوصية، ولا يجوز إفراده بالبيع كسائر الأطراف. شرح سنن أبي داود (12/ 245).

قوله: «أَنُلْقِيهِ أم نأكله؟ قال: كُلوه إن شئتم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أَنُلْقِيهِ» أي: حتى يموت، أو لأنه ميت «أم نأكله؟» بأنْ نذبحه، أو نكتفي بذبح أمه؟ «قال: كلوه» الأمر للإباحة؛ لقوله: «إن شئتم»، والظاهر أن وجه تردُّدهم هو أن الجنين هل يحل ذبحه أم لا؛ نظرًا إلى الرحمة والشفقة عليه لكونه صغيرًا؟
وحاصل الجواب: أنه لا فرق بين الجنين وأمِّه في الذكاة؛ لأن كلًّا منهما ذات روح، وقد أحلهما الله لنا بالذبح، وإلا فالمتبادر من كونه أن لا يحل أكله لشموله؛ لقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} المائدة: 3، فلا وجه لسؤالهم حينئذٍ، وأيضًا لو كان حلالًا ما خيَّرهم، فإن في عدم أكله إضاعة المال، وهو منهي عنه.
فإن قيل: لو لم يحل أكله بذكاةِ أمِّه لما حلَّ ذبحُ أمِّه؛ لأن في ذبحها إضاعته.
أجيب: بأن موته ليس بمتيَقَّن، بل يُرجى إدراكه فيُذبح فلا يحرم ذبح أمه. مرقاة المفاتيح (6/ 2657).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «كُلوه إن شئتم» ظاهر في حِلِّ مثله، ودليل على أن المراد بقوله: «فإنَّ ذكَاتَهُ ذكاةُ أمِّه» أُريد به أن ما طَيَّبَ أمَّه من الذبح طيَّبه، وهو مذهب الجمهور والصاحبَين (يعني: أبا يوسف ومحمد بن الحسن) من علمائنا الحنفية، وليس المراد أنه كما كانت محتاجة إلى الذبح كذلك هو محتاج إلى الذبح، فإذا خرج ميتًا لا يؤكل كما ذهب إليه أبو حنيفة. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (2/ 288).

قوله: «فإنَّ ذكاته ذكاة أمِّه»:
قال الشيخ عبد المحسن العبَّاد -حفظه الله-:
قوله: «فإنَّ ذكَاةَ الجنين ذكَاةَ أمِّه» أي: أن ذكاة أمِّه كافية عن ذكاته، فلا يقال: إنه مات ولم يذكَّ وإنه يكون ميتة؛ لأن ذكاة الأم ذكاة لجميع أجزائها، وتحلُّ جميع أجزائها بتذكيتها، والجنين من أجزائها، فهو كفخذها أو رِجلها أو أيّ جزء من أجزائها؛ ولذلك فذكاته ذكاة أمه. شرح سنن أبي داود (333/ 9).

قوله في رواية: «ذكاةُ الجَنِين ذكَاةُ أمِّهِ»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
«ذكاةُ الجنين ذكاةُ أمه» يروى هذا الحديث بالرفع والنصب، فمَن رَفَعَه جعله خبر المبتدأ الذي هو ذكاة الجنين، فتكون ذكاة الأم هي ذكاة الجنين، فلا يحتاج إلى ذبح مستأنَف، ومَن نَصَبَ كان التقدير: ذكاة الجنين كذكاة أمِّه، فلما حذف الجار نصب، أو على تقدير يُذَكَّى تذكيةً مثل ذكاة أمه، فحَذَفَ المصدر وصفته، وأقام المضاف إليه مقامه، فلا بد عنده مِن ذبح الجنين إذا خرج حيًّا، ومنهم من يرويه بنصب الذَّكَاتين: أي: ذَكُّوا الجنين ذكاةَ أمه. النهاية (2/ 164).
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«الذكاةُ» هي الذبح أو النحر، وسُميت ذكاةً لأنها تُذْكِي المذبوح أو المنحور، فيكون طيِّبًا، ولو مات هذا المذبوح أو المنحور حتْفَ أنفه لكان خبيثًا نجسًا. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 64).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«الجنين» هو الولد ما دام في البطن، سُمي بذلك لاجتنانه، أي: استتاره، وجمعه أجنة. السراج المنير (3/ 168).
وقال المظهري -رحمه الله-:
الجنين: الولد ما دام في بطن أمه، يعني: إذا ذُبحت شاة أو غيرها وفي بطنها جنين ميِّت حلَّ أكلُ الجنين؛ لأنه إذا ذُبحت أمُّه فكأنما ذُبح هو.
وقال أبو حنيفة: لا يحلُّ أكْلُه إلا أن يخرج حيًّا ويُذبح. المفاتيح (4/ 478).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
قوله: «ذكاة أمّه» أي: ذكاتها التي أَحَلَّتها أَحَلَّتْهُ تبعًا لها؛ ولأنه جزء من أجزائها، وذكاتُها ذكاةٌ لجميع أجزائها؛ ولأنه لو لم يحلَّ بذكاة أمِّه لَحَرُمَ ذكاتها مع ظهور الحمل كما لا تُقتَل الحامل قَوَدًا، هذا إن خرج ميتًا سواء أشْعَر أم لا، أو خرج حيًّا في الحال وبه حركةُ مذبوح، بخلاف ما إذا خرج وبه حياة مستقرة فلا يحل بذكاة أمه. السراج المنير (3/ 168).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«ذكاة الجنين ذكاة أمه» أي: ذكاتها كافية في تحليله، فإذا وُجد جنين ميت في بطن المذكَّى حلَّ أكلُه كما صرَّح به في الحديث الذي يليه لأبي سعيد، وإليه ذهب عامة العلماء غير أبي حنيفة، فإنه قال: لا يحل إلا إذا وُجد حيًّا فيُذبح، وأوَّلَ الحديث بأنَّ ذكاتَه مثل ذكاتِها، وهو به إضمار يردُّه حديث أبي سعيد. تحفة الأبرار (3/ 87).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
اختَلف العلماء في ذكاة الجنين، فقال مالك بما رواه عن ابن عمر وسعيد بن المسيب في ذلك قال: إذا تم خَلْقُه وأَشْعَرَ أُكِلَ وإلا لم يُؤكل.
وقال أبو حنيفة وزُفَر: لا يؤكل الجنين إلا أن يخرج حيًّا من بطن أمه فيُذكَّى.
وقال أبو يوسف ومحمد والثوري والليث بن سعد والأوزاعي والشافعي والحسن بن حي: يؤكل وإن كان ميتًا إذا ذُكِّيت الأمُّ، وذكاةُ أمِّه ذكاته. الاستذكار (5/ 263).
وقال المناوي -رحمه الله-:
ويؤيده (يعني: ما قال الشافعي ومن معه) ما جاء في بعض طُرق الحديث من قول السائل: «يا رسول الله، إنا ننحَر الإبل ونذبحُ البقر والشاة، فنجد في بطنها الجنين، فنُلْقِيه أو نأكله؟ فقال: كلوه إن شئتم؛ فإن ذكاته ذكاة أمه»، فسؤاله إنما هو عن الميت؛ لأنه محل الشك، بخلاف الحي الممكن الذبح، فيكون الجواب عن الميت ليطابق السؤال، ومن البعيد تأويل أبي حنيفة بأن المعنى على التشبيه، أي: مثل ذكاتها أو كذكاتها، فيكون المراد الحيّ؛ لحرمة الميت عنده، ووجه بعده ما فيه من التقدير المستغنى عنه، ومن ثَمَّة وافق صاحباه (يعني: محمد بن الحسن وأبا يوسف) الشافعي. فيض القدير (3/ 563).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
اعتذروا (يعني: الأحناف) عن الحديث بما لا يغني شيئًا، فقالوا: المراد ذكاة الجنين كذكاة أُمه.
ورُدَّ بأنه لو كان المعنى على ذلك لكان منصوبًا بنزع الخافض، والرواية بالرفع، ويؤيده أنه روي بلفظ: «ذكاةُ الجنين في ذكاةِ أمه» أي: كائنة أو حاصلة في ذكاة أمه، وروي: «ذكاة الجنين بذكاة أمه» والباء للسببية. نيل الأوطار (8/ 165).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وذهب الهادوية والحنفية إلى أن الجنين إذا خرج ميتًا من المذكّاة، فإنه ميتة، لعموم قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ}المائدة: 3 . وكذا لو خرج حيًّا ثم مات، وإليه ذهب ابن حزم.
وأجابوا عن الحديث بأن معناه: ذَكاة الجنين إذا خرج حيًّا نحوُ ذكاة أمه، قاله (الإمام المهدي) في البحر.
قلتُ: ولا يخفى أنه إلغاء للحديث عن الإفادة، فإنه معلوم أن ذكاة الحيّ من الأنعام ذكاةٌ واحدة، من جنينٍ وغيره. كيف، ورواية البيهقي بلفظ: «ذكاة الجنين في ذكاة أُمِّه»؟ فهي مفسِّرة لرواية: «ذكاة أُمِّه»، وفي أخرى: "بذكاة أمه". سبل السلام(7/٣٢٢).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فيه: بيان جواز أكل الجنين إذا ذُكِّيت أمُّه، وإن لم يحدث للجنين ذكاة، وتأوَّله بعض من لا يرى أكل الجنين على معنى أن الجنين يُذكَّى كما تُذكَّى أمُّه، فكأنه قال: ذكاةُ الجنينِ كذكاةِ أمِّه، أي: فَذَكُّوه، على معنى قول الشاعر:
فعيناكِ عيناها وجِيْدُكِ جِيْدُها *** ..... ..... ..... ......
أي: كأن عينيك عيناها في الشَّبَه، وجِيدك جيدها، وهذه القصة تُبطل هذا التأويل وتدحضه؛ لأن قوله: «فإنَّ ذكاته ذكاة أمه» تعليل لإباحته من غير إحداث ذكاة ثانية، فثبت أنه على معنى النيابة عنها.
وذهب أكثر العلماء إلى أن ذكاة الشاة ذكاةٌ لجنينها، إلا أنَّ بعضهم (كمالك وسعيد بن المسيب، وغيرهما) اشترط فيها الإشعار (أن يكون الجنين قد أشعر).
وقال أبو حنيفة: لا يحل أكل الأجنة إلا ما خرج من بطون الأمهات حيَّة فذُبحت. معالم السنن (4/ 282).
وقال الجصاص -رحمه الله-:
فإن قيل: فما فائدة ذكر الإشعار؟
قيل له: يحتمل أنْ يكون النبي -عليه الصلاة والسلام- سُئل عن جنين قد أشْعَر، فقال: يذكَّى كما تُذكَّى أمُّه، فنقل الراوي ما سمع، ولم ينقل سؤال السائل، فلا يدل على أنَّ حكمه إذا لم يُشْعِر بخلافه، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: «إنما الربا في النسيئة» وهو كلام خارج على السبب، وسؤال سائل عند سائر الفقهاء، كأنه سُئل عن الجنسين إذا بيع أحدهما بالآخر، فقال: «إنما الربا في النسيئة» يعني في مثل هذا، فنقل الراوي كلام النبي -عليه الصلاة والسلام- دون الحال التي خرج عليها الكلام، فكذلك ما وصفنا، وأيضًا: فليس في ذكره الإشعار دلالة على أنَّ ما عداه فحكمه بخلافه، بل حكم ما عداه موقوف على دليله.
وقد روى الحجاج بن أرطاة عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: «ذكاة الجنين ذكاة أمِّه إذا أَشْعَرَ» وهذا إسناده واهٍ؛ لأن الحَجَّاج فيما لم يذكره سماعًا مطعون فيه، وأبو إسحاق عن الحارث لا يُعَدُّ سماعًا، إنما هو عن صحيفة دفعَتْهَا امرأة الحارث إلى أبي إسحاق بعد موت الحارث فرواها، كذلك ذكر عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي أنَّ شُعبة قال له ذلك في جده أبي إسحاق، ولو ثبت ذلك عن علي -رضي الله عنه-، وصح سنده كان تأويله ما وصفنا.
وعلى أنَّه إذا أَشْعَرَ وتمَّ خَلْقُه فهو أبعد شَبهًا من أُمه، وإذا لم يُشْعِرْ فهو أقرب شَبهًا بها، فكيف يدخل في حُكم الأم إذا أشعر، ولا يدخل في ذكاتها إذا لم يشعر، وهو أشبه بأعضائها؟ ولَمَّا وافَقَنا مالكٌ على أنه إذا لم يشعر لم يدخل في ذكاة الأم، وجب أنْ يكون كذلك حكمه إذا أشعر. شرح مختصر الطحاوي (7/ 267-268).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
وأجمعوا على أن الجنين إذا خرج حيًّا أنّ ذكاته بذكاة أُمّه. الإجماع (ص: 61).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وخلاصة القول: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بيَّن أنه إذا ذُبحت البهيمة وهي حامل فإنَّ ذكاتها ذكاةٌ لجنينها، لا نحتاج أن نذكِّيه إذا خرج ميتًا، أما إن خرج حيًّا فإنه لا بد أن يُذكَّى؛ لأنه انفصل عن أمه وصار مستقلًّا، فلا تكون ذكاة أمه ذكاة له، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون هذا الجنين قد أشعر -أي: نبت شعره- أم لم يشعر، وهو كذلك، حتى لو لم يبق على وضعه إلا ساعات ثم ذُبحت الأم وخرج الجنين ميتًا فإنه يكون حلالًا؛ لعموم الحديث، والتفصيل بين ما أشعر وبين ما لم يشعر لا دليل عليه. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 65).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
والحديث يدل على أن السنة في الإبل النحر، وهو: قطع موضع القلادة من الصدر، وفي البقر والشاة الذبح، وهو: في الحلق، وعلى أن الجنين يحل بذكاة أمه. شرح المصابيح (4/ 504).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: أن نحر الإبل وذبح البقر كان من الأشياء المعلومة عندهم في الشرع. شرح سنن أبي داود (12/ 243).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ومن فوائد الحديث: ما اخترناه أنه الصحيح أن ذكاة الأم ذكاة الجنين.
ومن فوائده: أنه لا يُشترط إنهار الدم بعد خروجه، أي: بعد إخراجه من بطن أمه بعد أن يُذكى لا يشترط إخراج الدم؛ لأن ذكاته قد تمت من قبل، ولكن قال بعض أهل العلم: ينبغي أن يُنْهَرَ دمُه؛ حتى يطهر من الدم الذي لم يخرج.
ومن فوائد الحديث: تيسير هذه الشريعة؛ لأنه كُلما كان الأمر شاقًّا حل التخفيف؛ لأن العثور على الجنين أمر لا يمكن إلا بشق بطن الأم، وشقُّ بطن الأم إن كان قبل أن تُذبح فهو إضاعة لماليَّتها، وإن كان بعد ذكاتها فربما لا يُدرك الجنين حتى يُذكَّى، فكان من تيسير هذه الشريعة أن ذكاة أمه ذكاة له.
ومن فوائد الحديث: سمو الشريعة، وبيانها لكل شيء من دقيق وجليل؛ لأن مثل هذه الصورة -أعني: أن يُذكَّى الحيوان في بطنه الحمل- نادرة الوقوع، يعني: يمكن أن يقع في كل مائة خمسة أو أقل، لكن لما كانت الشريعة شاملة لكل شيء نبَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 65-66).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
لحوم الأجنة: غير محمودة؛ لاحتقان الدم فيها، وليست بحرام؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ذكاة الجنين ذكاة أُمه». زاد المعاد (4/ 347)


إبلاغ عن خطأ