«يا بَنِي عبدِ منافٍ، لا تمنعوا أحدًا طافَ بهذا البيتِ وصلَّى أيَّةَ ساعةٍ شاءَ من ليلٍ أو نهارٍ».
رواه أحمد برقم: (16736)، وأبو داود برقم: (1894)، والترمذي برقم: (868)، والنسائي برقم: (585) واللفظ لهما، وابن ماجه برقم: (1254)، من حديث جُبَيْر بن مُطْعِم -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
.
شرح الحديث
قوله: «يا بَنِي عبدِ منافٍ»:
قال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
«عبد مناف» ابن قصي، هو الأب الرابع للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وذريته هُم أعز بيت في قريش. توضيح الأحكام من بلوغ المرام (1/ 494).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
وإنما خصَّ بني عبد مناف بهذا الخطاب دون بطون قريش؛ لعلمه بأنَّ ولاية الأمر سيؤول إليهم، مع أنهم كانوا رؤساء مكة وساداتها، وفيهم كانت السِّدَانَةُ والحِجَابة واللواء والسِّقاية والوِفَادة؛ فخصَّهم بالخطاب؛ ليمتنعوا بأنفسهم عن هذا الصنيع، ويأخذوا على يدي مَن يبتغيه، ويحتمل أنه أشفق عليهم من الابتداع، بمنع الناس عن الطواف؛ ليخلو لهم المطاف والبيت؛ فحذرهم عن ذلك، وقد كان الأمراء من بني مروان، ومَن حج من الخلفاء من بني العباس يصنعون ذلك.
قلتُ: وهذا القول إنْ كان صدر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- زمن الفتح، فالأظهر أنه أشار به إلى الذي أراد أنْ يولِّيه أمر مكة، وهو عتَّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، استعمله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على مكة حين خروجه إلى حنين، فلم يزل أميرًا عليها حتى قُبِضَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والخليفة من بعده، فتوفي بمكة يوم توفي الصِّدِّيق بالمدينة. الميسر (1/ 284).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
خصهم؛ لأن شوكة أهل مكة كانت فيهم؛ إذ هم رؤساؤها، وهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وبنو عبد شمس، وبنو نوفل، وفيهم كانت السِّدَانة والسِّقَاية والرِّفَادة، وفيه عَلَمٌ من أعلام النبوة؛ لإخباره بما يقتضي مآل الخلافة فيهم، وأنهم يكونون في الإسلام هم أهل الحَلِّ والعَقْدِ كما كانوا في الجاهلية، ويوضح ذلك ما روي: «يا بني عبد مناف مَن وَلِيَ منكم من أمر الناس شيئًا فلا يمنع أحدًا طاف»، لكن اعترض ذلك المصابيح لها بأنها ليست في شيء من كتب السُّنة. فتح الإله (4/319-320).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
وإنَّما خصَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- من بني عبد مناف ولاة الأمر؛ لأن الأمر والنهي خصوصًا في الأحكام الشرعية إنما هو منوط بأولي الأمر، وإنما خصَّ بني عبد مناف لأنهم أَلْزَمُ به من غيرهم؛ وذلك جاء في رواية: «يا بني عبد مناف، أو يا بني هاشم»؛ لأن بني هاشم أقرب إليه من بني عبد مناف، وبني عبد المطلب أقرب إليه من بني هاشم.
وفيه: دليل على أنَّ حُكْم البيت والحرم مفوَّض إليهم (بني عبد مناف) على اختلاف الحالين؛ لأن من يكون إليه المنع يكون حكم ذلك الممنوع إليه، فإنه قادر عليه، ومع تخصيص من يلي منهم ينبغي ذلك؛ لأنه إنما أمرهم بترك المنع مع الولاية؛ إذ الولاة قادرون عليه، بخلاف من لم يَلِ منهم. الشافي في شرح مسند الشافعي (1/ 406-407).
قوله: «لا تمنعوا أحدًا طافَ بهذا البيتِ وصلى»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«لا» ناهية؛ ولذا جزم الفعل بها، «تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت» يعني: الكعبة؛ لأن البيت وإن كان في الأصل اسم للمسكن الذي يبات فيه، إلا أنه صار علمًا بالغلبة للكعبة، كما قال ابن مالك:
وقد يكونُ علمًا بالغلبة *** مضافٌ أو مصحوبُ أل كالعقبة. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (7/ 429).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
في رواية أبي داود: «يطوف ويصلي»، وفي رواية الباقين «طاف وصلى» ورواية أبي داود أحسن؛ لأن لفظ الحالية يقتضي التجدد والحدوث، بخلاف لفظ الماضي؛ لأنه مقصور على الواقع دون المتوقع والمتجدد.
ورواية الشافعي قد جاءت مصدرة بالشرط والجزاء، الذي هو «مَنْ وَلِيَ» «فلا يمنع» وهي آكد وأعم وأبلغ في وجوب الحكم من غيرها، إلا أنَّها مخصوصة بمن ولي منهم الأمر.
والرواية الباقية مطلق لبني عبد مناف، سواء وُلُّوا أمرًا أو لم يَلُوا. الشافي في شرح مسند الشافعي (1/ 407).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت» لعلهم (أي: بني عبد مناف) كانوا يمنعون بعض الناس عن الطواف أحيانًا...«وصلى» أي: صلاة الطواف أو مطلقًا، وهو قابل للتقييد بغير الأوقات المنهية؛ إذ سبق النهي؛ أو الصلاة بمعنى الدعاء. مرقاة المفاتيح (2/ 827).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «ولا تمنعوا أحدًا طاف» اعلم أن وصف الطواف ليس بقيد مانع، بل «أحدًا طاف» بمنزلة: أحدًا دخل المسجد الحرام؛ لأن كل مَن دخله فهو يطوف بالبيت غالبًا، فهو كناية. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1123).
قوله: «أيَّةَ ساعةٍ شاءَ من ليلٍ أو نهارٍ»:
قال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
«أية ساعة» (أي) اسم موصول، والتاء للتأنيث جاءت للمطابقة؛ لأن (أيًا) الموصولة تجوز فيها المطابقة. توضيح الأحكام من بلوغ المرام (1/ 494).
وقال محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «أية» أي: في أيِّ ساعة شاء، وقوله: «من ليل أو نهار» توكيد لقوله: «أية ساعة»؛ لأنها تدل على النهي عن المنع في جميع ساعات الليل والنهار، وهي هنا منصوبة على الظرفية. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (4/ 1251).
وقال السندي -رحمه الله-:
«أية ساعة شاء» الظاهر: أن المعنى: لا تمنعوا أحدًا دخل المسجد للطواف والصلاة عند الدخول أية ساعة يريد الدخول، فقوله: «أية ساعة» ظرف لقوله: «لا تمنعوا أحدًا طاف وصلى».
ففي دلالة الحديث على الترجمة (إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة) بَحْثٌ، كيف والظاهر أن الطواف والصلاة حين يصلي الإمام الجمعة، بل حين يخطب الخطيب
يوم الجمعة، بل حين يصلي الإمام إحدى الصلوات الخمس غير مأذون فيها للرجال، والله أعلم. حاشية السندي على سنن النسائي (1/ 284).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
قوله: "ظرف لقوله: «لا تمنعوا»" فيه نظر لا يخفى؛ إذ أسماء الشرط والاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها؛ لوجوب الصدارة لها، بل الصواب أنه ظرف لـ«شاء»؛ لكونه فعل الشرط، والمقصود منه إطلاق إرادة الشخص، ففي أي وقت من أوقات الليل والنهار أراد أن يطوف أو يصلي فلا يُمنع منه.
وأما ما ذكره من منع ذلك عند الخطبة، أو صلاة الجمعة، أو الجماعة فلأدلة أخرى خصت ذلك من هذا العموم. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (7/ 430).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
والظاهر: أن المراد بقوله -عليه الصلاة والسلام-: «وصلى أيَّ ساعة شاء» في الأوقات غير المكروهة؛ توفيقًا بين النصوص. شرح المصابيح (2/ 90).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«أية ساعة شاء من ليل أو نهار» بعد الفجر، بعد العصر، عند قيام الشمس، في أي وقت لا تمنعوه؛ وذلك لأن المسجد لله -عز وجل-: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} الجن: 18، وقد قال الله -عز وجل-: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} البقرة: 114، انتبهوا إلى كلمة {أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} بدل اشتمال من قوله: {مَسَاجِدَ اللَّهِ} يعني: أنَّ النهي منْصَبَّ على هذا، على منع ذكر اسم الله في المساجد، وكذلك لو منع المساجد أصلًا، وأقفل الباب في وقت الناس يحتاجون إليه بغير سبب شرعي. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 442).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
أورد أبو داود هذا الحديث في باب الدعاء، فرأى معنى قوله: «صلى» أي: دعا أيَّ ساعة شاء، وقد استدل بظاهره مَن جوَّز الصلاة بمكة في الأوقات المنهية، مع اختلاف أقاويل الصحابة في المنع والجواز، فمنهم مَن لا يجوّز ذلك أصلًا، منهم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- طاف بالبيت بعد الصبح فلم يركع، فلما صار بذي طُوى وطلعت الشمس صلى ركعتي الطواف، وقد روي ذلك عن معاذ بن عفراء وغيرهم، ومنهم مَن يرى للطائف أن يصلي ركعتي الطواف بعد العصر قبل اصفرار الشمس، وبعد الصبح قبل طلوع الشمس، ولا يرى ذلك في الساعات الثلاث، منهم ابن عمر -رضي الله عنهما-، وقد اختلف عليه في ذلك، ومنهم مَن يجوّزه في سائر الأوقات، منهم أبو الدرداء -رضي الله عنه-، وقد روى عنه عبد الله بن باباه أنه طاف بعد العصر، وصلى قبل مغارب الشمس، فقال له عبد الله: أنتم أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- تقولون: لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس؟! فقال: إن هذا البلد ليس كسائر البلدان.
قلتُ: ولم يكن أحد منهم ليذهب إلى ما ذهب إليه إلا وعنده متمسَّك، وإن كان بعضه أقوى من بعض، وبعضهم أولى من بعض.
وأما هذا الحديث: فإن الاحتجاج به -في الصلاة بمكة في الوقت الذي نهى عنه أن يصلى فيه- هيّنٌ ليّنٌ، وإنما كان الاستدلال يصح به أن لو كان المنع المنهي عنه من أجل الصلاة في الأوقات المكروهة، وليس الأمر على ذلك، ووجه الكلام ومجمله إنما يُعرف من أصل القضية، وصيغة الحادثة، وهذا الأمر إنما صدر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن بطون قريش وعمائرها كانوا يسكنون حوالي المسجد، محْدِقِين به، ولكل بطنٍ منهم باب يدخل منه المسجد وإلى الآن له أبواب تُنسب إليهم، كبابِ بني شيبة، وباب بني سهم، وباب بني مخزوم، وباب بني جُمَح ، وكان من وراءهم من حلال الحرم، والقادمين عليهم، يمرون عليهم إذا دخلوا المسجد، فربما أغلقوا تلك الأبواب إذا جنَّ عليهم الليل، فلم يستطع الزائر أن يجوس من خلال ديارهم في هجعة من الليل، فيدخل المسجد فيطوف بالبيت؛ فأعلمهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ليس لهم أن يصنعوا هذا الصنيع، وأن يمنعوا عباد الله عن منسكهم، ويحُوْلُوا بينهم وبين متعبدهم، وأباح للزائرين التمتع بالبيت المبارك في سائر الأوقات، ونهى أصحاب الديار الواقعة حوله أن يحتجزوا دُورهم، فموقع قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أيَّ وقت شاء من ليل أو نهار» هو المعنى الذي ذكرناه لا إباحة الصلاة في أوقاتٍ نهينا عن الصلاة فيها. الميسر (1/ 283- 284).
وقال المظهري -رحمه الله-:
هذا الحديث يدل على أنَّ صلاة التطوع في أوقات الكراهية غير مكروهة بمكة؛ لشرفها، لينال الناس فضلها في جميع الأوقات، وبه قال الشافعي.
وعند أبي حنيفة: مكروهة فيها كسائر البلاد. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 214).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
حديث جبير بن مطعم: «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت أية ساعة شاء من ليل أو نهار» وقد روى الدارقطني: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكة» وقال به الشافعي في كل وقت، ولو صح الحديث لقلنا به، والمسألة خلافية كثيرة. عارضة الأحوذي (4/78).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قلتُ: استدل به الشافعي على أنَّ الصلاة جائزة بمكة في الأوقات المنهي فيها عن الصلاة في سائر البلدان، واحتج له أيضًا بحديث أبي ذر، وقوله: «إلا بمكة» فاستثناها من بين البقاع.
وذهب بعضهم إلى تخصيص ركعتي الطواف من بين الصلوات، وقال: إذا كان الطواف بالبيت غير محظور في شيء من الأوقات، وكان من سُنة الطواف أن تصلَّى الركعتان بعده، فقد عقل أن هذا النوع من الصلاة غير منهي عنه.
وقد تأوّل بعضهم الصلاة في هذا الحديث على معنى الدعاء، ويشبه أن يكون هذا معنى الحديث عَن أبي داود، ويدل على ذلك ترجمته الباب بالدعاء في الطواف. معالم السنن (2/ 194- 195).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
الحديث دلَّ على النهي عن المنع لمن أراد أن يطوف ويصلِّي؛ لأنَّ العطف بالواو في قوله -عليه السلام-: «لا تمنعوا أحدًا طاف وصلى» بمعنى: أراد أن يطوف ويصلي، فلا يتعلَّق النهي بمن أراد أن يطوف فقط، أو يصلي فقط، فلا يثبت الجواز بالنسبة إلى الصلاة وحدَها، ولا إلى الطواف وحده، فلا يتمُّ الاستدلال الذي ذكرتموه، ولا المعارضة بحديث النهي عن الصلاة.
فإن قلتَ: فأي فائدة في هذا التقدير الذي ذكرتَه، وهو النهي عن المنع عن المجموع؟
قلتُ: قد تكون الفائدةُ النهي عن المنع عن الطواف وركعتيه، فتبقى للنهي فائدة شرعية، وهي إباحة ركعتي الطواف مع الطواف في هذه الأوقات. شرح الإلمام بأحاديث الأحكام (4/ 493).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
هذا الحديث: يدل على ما ذهب إليه الشافعي من كراهة الأوقات المنهي عنها إلا في مكة.
والصلاة في الأوقات المكروهة قد فعلها ابن عباس وابن عمرو وابن الزبير والحسن والحسين بن علي بن أبي طالب وعطاء وطاوس والقاسم بن محمد ومجاهد والشعبي وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وأنكرت ذلك طائفة، وبه قال مالك وأبو حنيفة، وروي عن أحمد أيضًا. الشافي في شرح مسند الشافعي (1/ 407).
وقال الدميري -رحمه الله-:
المعنى فيه (الحديث): ما في الصلاة في تلك الأماكن من زيادة الفضيلة، فلا يحرم المقيم هناك من استكثارها خصوصًا الآفاقيين؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الطواف بالبيت صلاة»، ولا خلاف أنَّ الطواف يجوز، وكذلك الصلاة.
وقيل: تكره كحرم المدينة؛ لعموم الأخبار، وحملت الصلاة في هذا الخبر على ركعتي الطواف، وهو قوي وحكي عن النص.
وإذا قيل: يجوز التنفل (في المسجد الحرام) فهل يختص ذلك بالمسجد أو يجوز في جميع بيوت مكة؟ فيه وجهان؛ والصواب: أنه يعمّ جميع الحرم. النجم الوهاج في شرح المنهاج (2/ 34).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
لا فرق بين مكة وغيرها في المنع من التطوع في أوقات النهي، وقال الشافعي: لا يُمنع فيها؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار»، وعن أبي ذر قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا يصلين أحد بعد الصبح إلى طلوع الشمس، ولا بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، إلا بمكة» يقول: قال ذلك ثلاثًا، رواه الدارقطني، ولنا عموم النهي، وأنه معنى يمنع الصلاة، فاستوت فيه مكة وغيرها، كالحيض، وحديثهم أراد به ركعتي الطواف فيختص بهما، وحديث أبي ذر ضعيف، يرويه عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف، قاله يحيى بن معين. المغني (2/ 535).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
وقد اختلف أهل العلم في الصلاة بعد العصر وبعد الصبح بمكة، فقال بعضهم: لا بأس بالصلاة والطواف بعد العصر وبعد الصبح، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، واحتجوا بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا.
وقال بعضهم: إذا طاف بعد العصر لم يصلِّ حتى تغرب الشمس، وكذلك إن طاف بعد صلاة الصبح أيضًا لم يصلِّ حتى تطلع الشمس، واحتجوا بحديث عمر: «أنه طاف بعد صلاة الصبح فلم يصلِّ، وخرج من مكة حتى نزل بذي طوى فصلى بعد ما طلعت الشمس»، وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس. سنن الترمذي (3/ 211).
وقال الأردبيلي -رحمه الله- بعد ذِكْر كلام الترمذي السابق:
وذلك لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا رفع الحرج عن الطواف في جميع الساعات فكذلك عن الصلاة؛ لأن الطواف بالبيت صلاة، والصحيح أنْ يعم البيت والحرم. الأزهار مخطوط لوح (161).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وهو (أي: الحديث) دالٌّ على أنه لا يُكره الطواف بالبيت ولا الصلاة فيه في أي ساعة من ساعات الليل والنهار، وقد عارض ما سلف (من أحاديث الأوقات المنهي عنها)، فالجمهور عملوا بأحاديث النهي ترجيحًا لجانب الكراهة؛ ولأن أحاديث النهي ثابتة في الصحيحين وغيرهما، وهي أرجح من غيرها، وذهب الشافعي وغيره إلى العمل بهذا الحديث، قالوا: لأن أحاديث النهي قد دخلها التخصيص بالفائتة، والنوم عنها، والنافلة التي تُقضى، فضعفوا جانب عمومها، فتخصص أيضًا بهذا الحديث.
ولا تُكره النافلة بمكة في أي ساعة من الساعات، وليس هذا خاصًّا بركعتي الطواف، بل يعمُّ كل نافلة لرواية ابن حبان في صحيحه: «يا بني عبد المطلب إن كان لكم من الأمر شيء فلا أَعْرِفَنَّ أحدًا منكم يمنع مَن يصلي عند البيت أي ساعة شاء من ليل أو نهار». سبل السلام (1/ 170).
وقال محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
الحاصل: أن أرجح المذاهب في هذه المسألة قول مَن قال: بجواز التنفل في المسجد الحرام مطلقًا؛ لحديث جبير بن مطعم هذا، فإنه يخصص عمومات أحاديث النهي؛ لأنها دخلها التخصيص بغيره. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (7/ 434).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-:
وإيضاح كون حديث جبير المذكور بينه وبين أحاديث النهي المذكورة عموم وخصوص من وجه، كما ذكره الشوكاني -رحمه الله-: هو أنَّ أحاديث النهي عامة في مكة وغيرها، خاصة في أوقات النهي، وحديث جبير بن مطعم عام في أوقات النهي وغيرها، خاص بمكة حرسها الله، فتختص أحاديث النهي بأوقات النهي في غير مكة، ويختص حديث جبير بالأوقات التي لا يُنهى عن الصلاة فيها بمكة، ويجتمعان في أوقات النهي في مكة، فعموم أحاديث النهي يشمل مكة وغيرها، وعموم إباحة الصلاة في جميع الزمن في حديث جبير يشمل أوقات النهي وغيرها في مكة، فيظهر التعارض في أوقات النهي في مكة، فيجب الترجيح، وأحاديث النهي أرجح من حديث جبير من وجهين:
أحدهما: أنها أصح منه لثبوتها في الصحيح.
والثاني: هو ما تقرر في الأصول: أنَّ النص الدال على النهي يُقدَّم على النص الدال على الإباحة؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، كما قدمناه مرارًا، والعلم عند الله تعالى. أضواء البيان (4/ 413-414).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
إسلام جُبير (راوي الحديث) متأخر جدًّا، إنما أسلم يوم الفتح، وهذا بلا شك بعد نهيه -عليه السلام- عن الصلاة في الأوقات المذكورة، فوجب استثناء كل ذلك (يعني الصلاة في المسجد الحرام) من النهي. المحلى بالآثار (2/ 77).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-:
عزا المجد ابن تيمية حديث جبير لمسلم، فإنه قال: رواه الجماعة إلا البخاري، وهذا وهم منه تبعه عليه المحب الطبري، فقال: رواه السبعة إلا البخاري، وابن الرفعة، فقال: رواه مسلم، ولفظه: «لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار»، وكأنه -والله أعلم- لما رأى ابن تيمية عزاه إلى الجماعة، دون البخاري اقتطع مسلمًا من بينهم، واكتفى به عنهم، ثم ساقه باللفظ الذي أورده ابن تيمية، فأخطأ مكررًا. أضواء البيان (4/ 412).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ومن فوائد هذا الحديث: نهي مَن قام على المسجد الحرام أن يمنع أحدًا طاف فيه بسلطة الولاية، انتبهوا لهذا القيد: أن يمنع أحدًا طاف فيه بسلطة الولاية؛ لأن الرسول عمم، قال: «أية ساعة شاء من ليل أو نهار»، وإنما قيدت ذلك لأجل أن نرد قول مَن يقول: إن المسجد الحرام ليس فيه نهي عن الصلوات؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هنا خاطبهم خطاب وَلِيٍّ، يعني: لا تحملنكم الولاية على أن تمنعوا الناس من الصلاة في المسجد أو الطواف.
يبقى النظر: هل للإنسان أن يطوف أو يصلي، هذا إذا اشترط عندنا الآن الخطاب للولاة على المسجد الحرام، الخطاب للناس هل يصلون أو لا؟
الحديث في الحقيقة ليس فيه دليل على جواز الصلاة في المسجد الحرام في أي وقت؛ لأن كون الصلاة تجوز أو لا تجوز لا يخاطب بها الولاة، مَن يخاطب بها؟ عامة الناس، فإذا أراد أحد أن يصلي فلا تمنعوه؛ ولذلك قلتُ لكم: لا تمنعوا بسلطة الولاية، لكن لو قام يصلي في وقت النهي ومنعوه بحكم الشرع؛ لهم ذلك؛ لأن هذا من باب منع المنكر.
انتبهوا لهذه النقطة؛ لأن بعض العلماء -رحمهم الله- قالوا: هذا الحديث يدل على أن الإنسان في المسجد الحرام يصلي في أي ساعة، فيقال: هذا غلط، الخطاب موجه لبني عبد مناف بحكم الولاية، يعني: لا تمنعه، أما كونه يصلي أو لا يصلي فهذا يرجع إلى الأدلة الأخرى، إذا كان في وقت يُصلى فيه جاز أن يصلي، وإلا فلا. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 442- 444).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يؤخذ من الحديث:
- الحديث دليل على صحة قول مَن يرى أن الصلوات ذوات الأسباب تُصلى في أوقات النهي؛ لأنه خصص أحاديث النهي العامة.
- فيه فضيلة ومنقبة كبيرة لقريش ولاة هذا البيت، ولبني عبد مناف منهم خاصة، وفضيلة لمن جاء بعدهم ممن شرفه الله بخدمة هذا البيت المبارك، الذي قال الله فيه: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} آل عمران: 96، وقال: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا} القصص: 57. توضيح الأحكام من بلوغ المرام (1/ 494- 495).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
الحديث دليل على استثناء صلاة الطواف من النهي عن الصلاة في أوقات النهي، وأنه لا حرج في فعلها لمن طاف بعد العصر، أو طاف بعد الصبح، ويلحق بذلك كل ما له سبب من النوافل -كما تقدم- على القول الراجح.
وهذا قول الأكثرين من أهل العلم، وهو المشهور في مذهب الحنابلة، ووجه في مذهب الشافعية، قالوا: إن المراد بهذا الحديث سنة الطواف فقط، لا مطلق الصلاة.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه تجوز جميع الصلاة في مكة في جميع أوقات النهي، وأن مكة مستثناة، وهذا هو المشهور في مذهب الشافعية؛ لأن قوله: «وصلى» لفظ مطلق، فيحمل على عموم الصلاة.
والأول أرجح، من باب تقديم عموم أحاديث النهي؛ لأنها أحاديث متواترة وصريحة، فينبغي الاقتصار في الاستدلال على المتيقن، وهو سُنة الطواف، وما عداها فالأخذ بالعمومات أقوى، وتكون مكة كغيرها من البلاد في أوقات النهي، ما عدا ركعتي الطواف.
على أن الأَولى أنه إذا كانت ذات السبب مما لا يفوت وقتها كركعتي الطواف ألا تُصلى في أوقات النهي الثلاثة القصيرة المتقدمة في حديث عقبة، وهي وقت الطلوع، ووقت الزوال، ووقت الغروب؛ لما ثبت عن بعض الصحابة -رضي الله عنهم- أنهم أخَّروا ركعتي الطواف وقت الطلوع ووقت الغروب إلى ما بعد خروجهما، كابن عمر، والمسور بن مخرمة، ومعاذ بن عفراء، ذكر ذلك عنهم ابن أبي شيبة.
وأما ما رواه مجاهد -رحمه الله- قال: قدم أبو ذر مكة فأخذ بعضَادَتَي الباب، فقال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكة» فهو حديث ضعيف، والله تعالى أعلم. منحة العلام في شرح بلوغ المرام (2/ 211- 212).